يوم نفي جلالة الملك .. توجه فيها إلى الله الواحد القهار متوسلا إليه برسوله .. في أسلوب صوفي مؤثر ..
وشعر المنافي جدير بالدرس والتعليق .. فهو يمثل في حياة الأمم الثائرة دورا هاما من ادوار كفاحها ونضالها .. كما انه يسجل حياة الأحرار، ويصور حالة المعذبين النفسية .. من وراء القضبان .. وفي المعتقلات .. فهذه قصائد أبي فراس من بلاد الروم، وقصائد البارودي من سيلان، وقصائد علال من الكابون، وقصائد المختار من الغ ومن أغبالو نكردوس .. كلها قصائد حية تفيض بالآمال، وتجيش بالحمية والشكوى، وتصور الثورتين النفسية والشعبية كما تصور ذلك العالم المظلم .. عالم القيود والسدود ..
ولا شك أن لعبد القادر حسن قصائد من هذا القبيل وهو الوطني المجاهد طالما تخطفته المنافي والسجون ولا متنفس له إلا أشعاره يودعها أفكاره، ويدفن فيها آهاته، ويناجيها بآماله وآلامه .. وهو اليوم ينشر منها ما ينشر، ويطوي إلى حين ضمن ديوانه الكبير الذي لم ير بعد أنوار «الفجر» مثل ما رآها ديوانه الصغير ..
وإذا نظرنا إلى قصيدته «قد زاغت الأبصار» وجدنا بين شعر المنافي والسجون صلاة حارة توجه فيها إلى الله ورسوله مسترحما ومستعطفا .. أرسلها في خشوع المومن الصادق، وفي تضرع المذنب النائب الواقف في باب مولاه:
فلج المقام إذن بحسب صادق
وأنبذ ضباب الشك خلف الدار
وأجعل سبيلك للوصال تذللا
حتى نام بذلة وصغار
ويتوسل بالرسول الأكرم قائلا:
يا ساقي الخلد أسقني من كوثر
ماء الحياة مسلط الأنوار
كأسا رحيقا لا بغيض معينها
حتى أميد بحبكم بخمار
ثم يتوجه بطلب النجدة لأمته:
يا سر هذا الكون يا نور الدجى
يا علة الإضمار والإظهار
أرجو وأرجو لا حدود لمطلبي
وحماك أوسع ما يؤم الساري
أما رجا نفسي فقد أبلغته
ولأنت أعلم ما يكن قراري
أما لأمتي المباح عرينها
فمناي أن تحظى بكم بجوار
فقد استهان المجرمون بحقها
فاستبدلوا الدر هام بالدينار
وأبى إلا أن يستشفع بالرسول:
أمحمد ولأنت خير مشفع
في حضرة الله الحليم الباري
قد زاغت الأبصار مما قد رأت
مع مفجع البلوى (كذا) والاستكبار
هبها كيثرب يوم جد حصارها
وبداك تبني حولها ببدار
أو أنها بدر وأنت مبشر
بالنصر للأصحاب والأنصار
ولا نريد أن نزيد شيئا على مجرد الإنشاد لبعض أبيات القصيدة إذ هو وحدة كاف بأشعارنا بأنها أشبه ما تكون بالأناشيد الدينية والتراتيل الوجدانية عند الطوائف المتصرفة .. ولها مثال في توسلات ابن عربي والبصيري وابن الفارض وشوقي وغيرهم .. وننصرف عما فيها من المآخذ حتى لا نفسد على أخينا عبد القادر صلاته وتسبيحه .. ونكتفي بأن نتمثل معه يقول أبي حية النميري:
رمتني وستر الله بيني وبينها
عشية أرام الكناس رميم