وفي المقطع الثاني نرى الشاعر يكيل الثناء لمصر في خمسة أبيات:
بلاد كما شاءت سعادة أهلها
وأرض تجر الذيل في الحلل الخضر
بلاد بها الإسلام يرفع رأسه
وقد عقدت من فوقه راية النصر
إلى آخر الأبيات .. وهو ثناء مكرر معتاد .. يصح في حق كثير من الأقطار .. إذ لا يخفى أن النعوت بالمجد والنصر والسماحة والبشر وهز الأقلام في التروس .. الواردة في الأبيات .. أوصاف مشتركة لا تكفي في إظهار عظمة مصر الخالدة وفي إبراز شاعرية ابن ابراهيم .. لذلك كان هذا المقطع ساكنا هادئا في القطعة لا حرارة فيه ولا شعور.
وفي المقطع الثالث وقف الشاعر يودع مصر:
لي الله يا مصر العزيزة عندما
أفارق مصرا تارك القلب في مصر
إذا ما رأيت النيل يجري حسبته
بدمعي على قرب الفراق لها يجري
وإن وقعت عيني على هرم لها
أحسه طود الهم يرسو على صدري
لي الله يا مصر العزيزة عندما
أكفكف دمعي والقطار بنا يجري
كأني به تغلي مراجل قلبي
حنوقا وما منه الحنوق على غيري
إلى آخر القطعة .. التي نحس بعض الدفء يسري في أوصالها وبعض الشعور يلمح من خلالها .. فيعجبنا من الشاعر أن يترك طير قلبه في ذلك الوكر .. ونقبل منه على مضض أن يحسب ماء النيل دموعا تجري لفراقه .. ولكن الذي لا نستطيع أن نقبله منه بحال هو أن يجعلنا نحس معه بهرمي مصر يجثمان على صدورنا .. انه والله ثقل تنوء به الجبال، فكيف بالأجسام .. ولقد ذكرني هذا التشبيه الثقيل على الروح قبل أن يثقل على الجسم بما أنشده ابن سيد الإشبيلي الملقب باللص للخليفة عبد المومن على جبل الفتح (جبل طارق) إذا قال:
غمض عن الشمس واستقصر مدى زحل
وانظر إلى الجبل الراسي على جبل
فأسكته عبد المومن وقال له لقد أثقلتنا يا رجل .. !
وما أدرى ما يكون حظ ابن ابراهيم لو أنشد قوله لنقاد بصير مثل عبد المؤمن .. وما أظن أن الإسكات يكفي معه ..
وعلى سبيل ذكر المفارقات يحضرني قول ابن الصلة الأندلسي في الهرمين:
بعيشك هل أبصرت أعجب منظرا
على ما رأت عيناك من هرمي مصر
وقد وافيا نشزا من الأرض عاليا
كأنهما نهدان قاما على صدر
فإن هذا الأندلسي الظريف لم يجعل الهرمين طودين من الهم يجثمان على صدورنا .. وإنما نهدين خفيفين ناعمين يترق رقان على صدر فتاة .. :
ولنا مأخذ آخر على شاعر الحمراء حيث قال عن القطار أن مراحل قلبه تغلي حنوقا عليه .. وما هو هذا الحنوق .. إن اللغة لا تعرفه وإنما تعرف الحنق بالتحريك ومعناه الغيظ الشديد .. فما الذي حمل القطار على أن تغلي مراجله غيظا وحنقا على الشاعر، هل القطار شرطي من شرطة الاستعمار الانكليزي اختطف حرا من أحرار الوطنية وأسرع يقذف به وراء الحدود .. ونحن لا نعلم أن أحدا أزعج شاعرنا وأرغمه على فراق مصر ..
والخلاصة أن القطعة في مجموعها لا تصور موقفا معينا ولا حالة نفسية واضحة أحسن تصوير، وإنما هي خواطر وارتسامات ينقصها الشيء الكثير من السبك والربط حتى تتناسب مع شاعرية ابن ابراهيم الفياضة ..
وهيا بنا إلى القصيدة «قد زاغت الأبصار» التي نظمها الشاعر عبد القادر حسن في 66 بيتا وهو بمنفاه السحيق يوم زاغت الأبصار وبلغت القلوب الحناجر ..