عن كل اعتبارات الفوائد التي تنتج عن المعرفة، فإن مجرد العلم لذاته يجعل من الفرد العالم إنسانا أكمل في إنسانيته، وأقرب إلى الصورة التي أرادها الله له.
وهذه النظرة إلى العلم وقيمته المجردة لا توجد عند الفلاسفة فقط، ولكنها تكاد تكون فطرية عند الجماعات البدائية التي تنظر بإكبار وإجلال لعرفيها أو كاهنها أو حكيما، حسب مختلف الأسماء التي تطلق عند هذه الجامعات على الشخص الذي يكون أرسخ معرفة بشؤون الجماعة من علاج ومن نبوءات جوية ومن أخبار السلف وأساليب حياتهم إلى غير ذلك من الشؤون التي لا يعرفها مطلق الناس، والتي تضفي على العريف هذه الحلة من المهابة والقوة. ولذا جاءت الشرائع السماوية والقوانين الوضعية مؤيدة لهذه النظرة ومثبتة لها، مما جعل الإنسان ينشد دائما المزيد من العلم والبحث عن أسرار الكون والتطلع إلى اكتناه كل مجهول.
وجاءت المدينة الإسلامية فزادت عنصرا هاما في ضرورة اكتساب المعرفة، لا لذاتها فحسب، ولكن لما تقترن به من فوائد في إسعاد البشر. ومن ثم كانت الاكتشافات العربية والاختراعات في ميادين الصناعة والملاحة والأرصاد الجوية والكيمياء والطب وغيرها مما هو معروف.
ثم جاءت المدينة الحديثة فأبلغت هذا العنصر أقصى مداه، إذ صارت التطبيقات العملية للعلم الغاية المهمة التي يتوخاه العلماء في إيمانهم ودراستهم، وصار مصير الإنسانية بيد العلماء لأن تزايد سكان الكرة الأرضية بالصورة التي تتراآى لنا، سوف يحدث مشاكل ترجع للتغذية والإسكان وغير ذلك من حاجيات المجتمع البشري، وحلها منوط بالنتائج التي سيتوصل إليها العلماء في دراستهم وأبحاثهم، وإذ نقول العلماء فإننا يعني بهم المشتغلين بكل فروع المعرفة سواء منها علوم الإنسان أو العلوم التطبيقية.
ومن كل هذا تتضح المسؤوليات الملقاة على كاهل كل المواطنين فيما يرجع لتوسيع دائرة الدراسات العالية والأبحاث العلمية.
ويعتقد الكثيرون أن هذه المسؤولية هي على الحكومة وحدها، وهو غلط يتنافى مع واقع جل الأمم المتحضرة، ويتنافى كذلك مع تقاليدنا التعليمية وقت ازدهار المدنية العربية، إذ كانت جامعة القرويين مثلا لا تعيش إلا بمدخولها الخاص الذي تدره عليها الأحباس الموقوفة عليها من قبل المثرين من أبناء البلاد، على غرار ما نراه اليوم في كثير من الأمم، وبالأخص منها الانكليزية السك ونية، فمؤسسة عظيمة مثل جامعة (ستانفرد) بالولايات المتحدة مثلا، بها عشرات آلاف الطلبة، وميزانيتها عشرات ملايير الفرنكات، لا تنفق عليها الدولة دولارا واحدا. وأكثر الجامعات على هذا النحو، وهي تملك المستشفيات العديدة والمتاحف الكثيرة، والمطابع والمختبرات وحدائق الحيوانات إلى غير ذلك من المرافئ العلمية والتجهيزات الراقية في كل الميادين، وما تم ذلك إلا بمساعدة الأفراد والشركات مما يجعل التعاون بين رجال الاقتصاد والجامعة تعاونا متينا مستمرا.
فهل لنا أن نرجع إلى تقاليدنا، وأن نقتبس من عند غيرنا الأساليب التي جعلتهم يتقدمون ويترقبون في مدار العلم، ونحن في حاجة أمس إلى تكوين الإطارات في سائر المناحي؟ وهل لرجال المال والاقتصاد عندنا أن يولوا اهتمامهم لهذه الناحية من المجهود الوطني في سبيل ترقية البلاد ورفع مستواها العلمي؛ وبالتالي الاقتصادي والمعاشي؟.