تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

حقا، ووطنيا مثاليا، وجدت أمامها رجلا من الرجال الكبار الذين يدخرهم التاريخ للملمات والأزمات العظيمة.

وجدت أمامها: محمد الخامس.

وقال الاستعمار: إنه المنفى بأهواله وآلامه وشظفه، غنه المجهول الذي لا يدرك له كنه، ولا تعرف له غاية.

وقال محمد الخامس: المنايا ولا الدنايا، ومرحبا بالمنفى وأهواله، ومرحبا بما عسى أن يكون بعد المنفى من تضحيات محتملة.

وهكذا انتهت معركة من الكفاح لتبدأ معركة أخرى أشد هولا وأكثر مرارة، وكان الذي أذن بافتتاح المعركة الثانية هو الاستعمار نفسه، وذلك عندما ذهب مع حماقته إلى مداها، فأبعد جلالة الملك عن عرشه وشعبه، وقاده وأسرته الكريمة -في وقاحة منقطعة النظير- أسرى إلى منفاهم السحيق.

وكان الشعب المغربي وفيا كل الوفاء، جديرا بالتضحية التي أقدم ملكه على احتمالها في سبيله بصبر وشجاعة، فخاض الكفاح المسلح، وضرب للعالم مثلا فريدا من نوعه في البطولة والصبر والصمود، وأقسم لا يضع السلاح حتى يعود محمد الخامس إلى عرشه وشعبه، وحتى يتحقق للبلاد استقلالها.

وكان ما أراده الشعب، ورسمه في دقة، وصمم على الوصول إليه مهما تكن العقبات التي تعترض طريقه.

لقد تم النصر، وتحقق الاستقلال، وعاد محمد الخامس ليخوض بشعبه مرة أخرى معركة البناء والتنظيم، واستكمال السيادة، والإجهاز على الرواسب الاستعمارية في ميادين الفكر والاقتصاد، وف يكل ميدان.

واليوم، ونحن نحتفل بالذكرى الثانية والثلاثين لعيد العرش، ونحتفل في نفس الوقت بمرور أربع سنوات على عودة جلالة الملك وأسرته الكريمة من منفاهم السحيق، لا نجد بدا من أن نستعرض مرة أخرى هذا الشريط الهائل المجيد، وسنظل نستعرضه، وسنقص تفاصيله على أولادنا وأحفادنا، وننقل إليهم مشاعرنا كلها خلال المعركة الطويلة، وننقش في ذوا كرهم أسماء الشهداء الأبطال الذين سقطوا في ميدان الشرف ليتركوا لهم المجد والحرية والكرامة، وسنعلمهم أن من العظيم جدا أن ينتزع شعب من الشعوب استقلاله من قاهريه والمتسلطين عليه، وأنه ليس أعظم من ذلك إلا أن يعرف هذا الشعب كيف يحافظ على استقلاله، وكيف يدعمه بالأعمال البنائية الإيجابية الهائلة، وكيف يصونه من كيد الكائدين وأطماع الطامعين، وكيف يتغلب في سبيل الحفاظ عليه علة نوازع الهوى والشر والانحراف.

سنذكر كل ذلك في مثل هذه المناسبة من كل سنة، لأننا كلما احتفلنا بالعرش، فنحن نحتفل في نفس الوقت بمعركة الحرية التي كان العرش دائما على رأسها وفي مركز القيادة منها، ونحن نحتفل في نفس الوقت بالنصر الذي أعقب المعركة، وبالآمال العريضة التي نعلقها جميعا على المستقبل، والتي يتحقق لا محالة مادام العرش والشعب يسيران معا في الطريق جنبا إلى جنب، يشد كل منهما من أزر الآخر ويقوي عزيمته، ويبادله إخلاصا بإخلاص، وحبا بحب، ووفاء بوفاء.

إن العرش بالشعب، وإن الشعب بالعرش، هذه حقيقة أمنا بها جميعا منذ البداية، وعرضتها الأيام على محك الاختبار فلم تزد على الأيام إلا رسوخا وثباتا وقوة، وستظل هذه الحقيقة نصب أعيننا جميعا -عرشا وشعبا- لأنها وحدها الضمان لمستقبل مزدهر كما كانت وحدها الضمان لماض مجيد.

إن العرش بالشعب، وإن الشعب بالعرش، هذه حقيقة لم نؤمن بها وحدنا، وإنما آمن بها معنا خصومنا أيضا، فقد كان الاستعمار طيلة مدة المعركة يعلم عن يقين أنه لن ينجح في مهمته إلا بالتفريق بين العرش والشعب، وحمل كل واحد منهما على أن يسئ الظن بصاحبه، ولم ينجح الاستعمار في شيء من ذلك برغم قوته ودهائه وتنوع أساليبه، ومستحيل أن تنجح في ذلك أية قوة أخرى مادام العرش والشعب معا مصممين على أن يسيرا في الطريق حتى النهاية.

دعوة الحق

مجلة دعوة الحق · الصفحة ١٧٣٨

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ١٧٣٨