دعوة الحق، س.3، ع1 /أكتوبر 1959 .............. ص 86
الشعر
نقد وتعليق بقلم الأستاذ أحمد زياد
مضى علي وقت طويل - أو يكاد يكون طويلا - لم أتحدث فيه عن الشعر والشعراء، ولقد كانت لي مع بعض شعرائنا صولات وجولات، كانت تشكل صورة من صور النهضة الأدبية المباركة التي كنا نخوض غمارها جميعا بإيمان وعزم، وكنا نظن أن حلقاتها ستمتد وتلتحم مع حلقات أخرى يظهرها عهد الاستقلال، غير أن هذه الحلقات انقطعت أو كادت تنقطع، لولا بعض شعرائنا الذين نراهم ما يزالون يحنون إلى ذلك العهد، فيخرجون على الناس بشيء من الشعر يشهد بأن رمقا منه ما يزال في هذه البلاد، وأن ربة الشعر لم تمت ولو أنها على حالة مؤسفة من الضعف ومن العياء، حتى أن هذا العياء وذلك الضعف قد جعلاها في حالة غير مرضية من الهرم ومن الشيخوخة، ولولا ما نراه كذلك من محاولات جديدة في الشعر يكتب لها النجاح حينا ويتنكر لها أحيانا.
لقد كان أمرا طبيعيا أن يتطور الشعر في المغرب وأن يكثر رعيل الشعراء في بلدنا بعد الاستقلال، لأن الشعراء كانوا يعتبرون بأن الشعر نقيض الخنق والكبت، وأنهم لا يستطيعون قول الشعر والتغني به إلا إذا كانوا طلقاء من قيود كان يقيدهم بها الاستعمار الذي تعودنا منه أن يحارب كل مظهر من مظاهر الحرية والانطلاق.
وكنا نقبل هذا العذر، وكان يقبله معنا الناس، وكنا ندعو الله جميعا لأن يمن على المغرب بالحرية والاستقلال فينعم بها الشعراء داخل نطاق أسرة الشعب المغربي كلها، واستجاب الله دعاءنا فجاء الاستقلال وجاءت الحرية بمجيء الاستقلال، ولكن حصة الشعراء لم تزد على ما كانت عليه إلا نسبة قليلة وقلية جدا. وكان من بين الشعراء في عهد ما قبل الاستقلال من يضن بشعره أو يتقاعد عن نشره لأن الجو لا يسمح بذلك، فكان الشعر وكان الأدب بصوره عامة يخرج من بين فرث ودم، وبقي كثير من الشعراء على حالهم هذا إلى يومنا هذا من عامنا هذا وفي عهدنا هذا كذلك.
وهذا ديوان «دعوة الحق» الذي صدر في العدد الماضي شاهد على ما نقول، فهو يضم عدة قصائد لبضعة من الشعراء، يعتبر البعض منهم من الرعيل الأول، كالأساتذة: محمد بن ابراهيم، عبد القادر حسن، محمد الحلوي، كم يضم قصيدة لشاعر ناشئ نتمنى له التوفيق والنجاح، ثم إن بعض هذه القصائد قيلت منذ سنين خلت، فلم يكن بد من أن تدرج في الديوان، لأنه ليس في الإمكان أبدع مما كان، ولأن صديقي رئيس تحرير مجلة «دعوة الحق»، يقوم بمجهود دبلوماسي عظيم مع الأدباء والشعراء لحملهم على أن يكتبوا ويعطوا لعهد الاستقلال مدلوله الثقافي وطابعه الأدبي، وهو ينجح في الكثير من الأحيان بفضل صبره وجلده، ولأنه يستطيع أن يحمل بعض الناس على استخراج «الاحياطي» من شعرهم، ولأنه يحمل آخرين على أن يقولوا شعرا لابد منه للديوان. وصحيح أن ديوان «دعوة الحق» ينشر قصائد جديدة، ولكن الذي يعنيني الآن هو العدد الماضي الذي تكلفت بالحديث عن ديوانه اليوم، فلنشرع في الحديث عن بعض قصائد هذا الديوان.
في ديوان العدد الماضي من «دعوة الحق»، قصيدة قيلت منذ سنوات خلت، وأعني بها قصيدة شاعر الحمراء المرحوم محمد بن ابراهيم، ولهذه القصيدة قصة ربما يكون من المفيد أن نشير إليها بهذه المناسبة لأنها تصور جانبا من نفسية الشاعر الراحل.
فلقد زارت جمعية للتمثيل من قدماء تلاميذ المدرسة الثانوية بفاس مدينة مراكش، وعرضت في زيارتها هذه رواية الشاعر أحمد شوقي «أميرة