تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

يا لتارات يعرب من فرنسا نقمة الثأر أن يعم امتداده

كم تهزأت بالعروبة دهرا فإذا الهزء قد طواك نكاده

فارقبي أمة الفساد الرزايا كالحات فالبطل بأن فساده

يا فرنسا أخت العناد أفيقي إنما يصرع الغبي عناده

وخذيها حمراء تلتهم الأفق فيشـ ــوي بنارها مراده

يا دماء على الجزائر سالت، أنت أصل الغلا وأنت عماده

فانزلي واسكبي، وجودي لنحيا، علقم العز منك يحلو شهاده.

وفي مثل هذه القوة والرقة البيانية التي نستشف من ورائها صورا لا تعد ببطولة الجزائر يمضي الأستاذ العطار في قصيده حتى يبلغ به ما يزيد على مائة بيت في غير ما إملال أو إطالة. لأن إطالة من شاعر موهوب وقلم صناع في موضوع بطولي قصر وأي قصر.

ومن الإقليم الجنوبي وقف الشاعر هاشم الرفاعي يصور للجمهور مأساة من مئات المآسي في الجزائر تعيشها كل مطلع فجر، مأساة المقصلة والمشنقة التي تطيح بأعز أبناء الوطن. نضارة عود، وسعة أفق، وقوة إيمان بجزائر الغد. قصيدة سماها رسالة في ليلة التنفيذ. ليلة تنفيذ حكم الإعدام:

أبتاه ماذا قد يخط بناني *** والحبل والجلاد منتظران

هذا الكتاب إليك من زنزانة *** مقرورة صخرية الجدران

لم تبق إلا ليلة أحيا بها *** أحس أن ظلامها أكفاني

ستمر يا أبتاه. لست أشك في *** هذا وتحمل بعدها جثماني

شكرا لهم أنا لا أريد طعامهم *** فليرفعوه فلست بالجوعان

هذا الطعام المر ما صنعته لي *** أمي، ولا وضعوه فوق خوان

مدوا إلي يد مصبوغة *** بدمي، وهذي غاية الإحسان

ويدور همسي في الجوانح، ما الذي *** بالثورة الحمقاء قد أغراني؟

أو لم يكن خيرا لنفسي أن أرى *** مثل الجموع أسير في إذعان

ما ضرني لو قد سكت، وكلما *** غلب الأسى، بالغت في بالكتمان

هذا دمي سيسيل يجري مطفئا *** ما ثار في جنبي من نيران

وفؤادي الموار في نبضاته *** سيكف من غده عن الخفقان

والظلم باق، لن يحطم قيده *** موتي، ولن يودي به قرباني

ويسير ركب البغي ليس يضيره *** شاة، إذا اجتثت من القطعان

هذا حديث النفس حين تشف عن *** بشريتي، وتمور بعد ثوان

وتقول لي: إن الحياة لغاية *** أسمى من التصفيق للطغيان

أنفاسك الحرى وإن هي أخمدت *** ستظل تغمر أفقهم بدخان

وقروح جسمك وهو تحت سياطهم *** قسمات صبح يتقيه الجاني

دمع السجين هناك في أغلاله *** ودم الشهيد هنا سيلتقيان

حتى إذا ما أنعمت بهما الربى *** لم يبق غير تمرد الفيضان

وبهذه النغمة الحزينة، يوقع هاشم على أوتار القلوب، ويهز المشاعر وبهذه الدمعة الحائرة يستثير العزائم، ويلهب الحماس، تماما كالمتأبط رشاشته يوقع بدوي رصاصاها على وتر الحفاظ والآباء. حتى يأتي على آخر القصيد فيقول:

هذا الذي سطرته لك يا أبي *** بعض الذي يجري بفكر عان

مجلة دعوة الحق · الصفحة ١٧١٢

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ١٧١٢