تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

مطبوع؛ وبقطع النظر عما يكون في المقلد (بالفتح) من عيب، وفي النسخة من تحريف، فإن مجرد الانسياق في حبل الغير كاف وحده للغض من شأن المقلد والتنقيص من قيمته؛ فالفرد رجلا كان أو امرأة إذا انسلخ من شعارات قومه ونبذ تقاليد أمته مستبدلا بها شعارات وتقاليد أخرى أجنبية عنه، إنما يبرهن على أنه أمعية لا رأي له، وأنه بالتالي ينتمي إلى شعب بدائي ليس له عرق في الحضارة، ولولا ذلك لما تهافت على مواضعات الأجانب وآدابهم الاجتماعية تهافت الذباب على الشرب. ومن ثم فإن المرأة التي تتخلى عن اسمها العائلي بمجرد الزواج وتحمل اسم زوجها تقليدا للغربيين، إما أن تكون وضيعة فهي تتستر من وراء زوجها حتى لا تظهر وضاعتها، وإما أن تكون غير راضية عن تقاليد قومها فهي تحتقر أمتها وتريد أن تكون هي وقومها ذيلا مهينا للأجنبي الذي قلدته. وفي أحسن الاحتمالات يكون فعلها ذلك بغير وعي ولا تفكير، وإنما هو اندفاع في التقليد وتمسك بكل جديد، وهذه هي الأمعية التي لا يرضى بها شخص يحترم نفسه.

والغالب أن الزوج هو الحامل لها على ذلك، فعليه إذن أكبر قسط من المسؤولية في هذا التصرف الأناني الذميم.

وأحب أن ألمح إلى أن هذا التقليد السهل الرخيص قديم في الناس، وأنه في المسلمين شيوخهم وشبانهم عميق الجذور، فالشيوخ لا يحلو لهم تقليد السلف الصالح إلا في المظاهر التافهة والطاعات اللسانية الخفيفة ذات الثواب الجزيل والتعب القليل، وأما الطاعات العملية من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والجهاد في سبيل الله والعزوف عن المطامع، فإنها قد ضيعت من زمان لثقلها على النفوس ومحافاتها للسلامة؛ والشبان إنما يقلدون الغربيين بحجة التطور والتقدم في ما كان من قبيل ما نحن بصدده، من انتحال المرأة لاسم زوجها، ومثله ضم الرجل اسم أبيه إلى اسمه وربما اسم أمه أيضا، وحذف كلمة ابن التي يثبتها العرب تخفيفا لنسبهم ومحافظة عليه، فيختلط من جراء ذلك الاسم البسيط (محمد بن العربي) مثلا بالاسم المركب (محمد العربي) ومحمد بن الحسن بمحمد الحسن، ويقع الذهن في الارتباك وتخالف أصول العرب، ولكنه ما دام تقليدا غربيا سهلا فهو مقبول لأنه دليل على التقدم الرخيص!.

قد تكون الأساليب الكلامية في اللغات الأجنبية هي التي تمنع من ذكر كلمة ابن بين اسم الوالد والولد، ولكن من المحقق أنها كانت مستعملة في بعضها، فهل يكون تكاثر الأولاد غير الشرعيين في المجتمعات الغربية هو الذي رجح حذفها؟ .. وأيا ما كان باعث أصحابنا على هذا (التجديد التقليدي) فإن المقاييس العربية، لغوية واجتماعية، ما كانت لتقبله قط، وقد واجه العرب شخصية من أعظم شخصياتهم في العصر الأموي بالحقيقة المرة عن أصله، ولم يشفع له نبوغه في الحكم والإدارة أن لا يدعوه زياد ابن أبيه! ..

ومن أمثلة التقليد عند الشباب قص الأظفار طويلة، وتوفير اللحية على هذا الشكل الدقيق الذي شاع في الأيام الأخيرة؛ ولو أتيت لهؤلاء الشباب بكل ما روى في الآداب الإسلامية عن خصال الفطرة ومنها قص الأظفار، ومما ورد عن النبي الكريم في اللحية، لما قابلوك إلا بالسخرية والاستهزاء، ولكن لما أصبح الأمر تقليدا غربيا سهلا يدل على (روح التطور) المتمكنة في أصحابه، سارع إليه هؤلاء الشباب بكل طواعية واختيار! ..

أما تقليد الغرب في عمله وصناعته ومغامرته في بحوته وكشوفه وتضحيته في سبيل حماية الحضارة المسيحية ونشرها في الآفاق، فهذا أمر صعب على شبابنا المتحلل المتفسخ، إلا من رحم ربك وقليل ما هم! ...

ولعل مما يوحي إلى النساء اللائي اتبعن التقليد المتحدث عنه بترجيحه على عادات قومهن، أنه يدل على عاطفة الحب بين الرجل وامرأته، وأن زواجهن مبني على حسن التفاهم، لا كما كان زواج آبائهن وأجدادهن ارتباطا ماديا وزواجا مصلحيا فحسب. ولست أدري إلى أي قاعدة ترجع هذه الحركة النسوية التي تتزعمها المرأة الجديدة؟ فهي بينما تزعم أن الرجال اضطهدوا المرأة وتجاهلوا شخصياتها، فالواجب عليها أن تثور طلبا لمساواة الجنسين في الحقوق، إذا بها تذوب في الرجل وتلاشي كل ملامحها الشخصية حتى اسمها الخاص، ولكن مادام ذلك تقليدا غربيا سهلا فهو مقبول لأنه دليل على التقدم الرخيص! ...

وخلاصة القول أن هذه المشكلة، مشكلة التقليد العمى في خطوطها العامة، هي أساس الخلاف بيننا وبين هؤلاء المتزعمين للدعوة إلى التحرير واللحاق بركب

مجلة دعوة الحق · الصفحة ١٦٥٦

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ١٦٥٦