إذاً، فلكي تكون الأصول الأولى لبلاغ الرسل ذات فائدة بين الناس، يجب أن تكون قد سجّلت خطاب الرسل مباشرة وكاملاً كما بلَّغوه، وأن تكون اللغة التي دونت بها تلك الأصول لا تزال من اللغات الحية، كي لا يكون على الناس مشقة في فك رموزها والتعرف على مضمون المكتوب.
وأهمية التدوين الكتابي تبدو جلية دون نزاع، إذ أننا جميعاً نعلم أن الحفظ الشفاهي يدخله مع الوقت النسيان والتغيير والتبديل، وكذلك الترجمات كثيراً ما تنحرف بالمعاني عن تلك التي قصدتها كلمات الخطاب الأصلي.
وإذا انطلقنا من مُسَلَّمة أن الله، سبحانه، لا يصدر عنه التناقض، وأنه لا يمكننا الآن جمع كل الأصول الأولى للرسالات السماوية، فإنه يكفينا وجود رسالة مدونة مباشرة عن الرسول الذي بلغها، بلغة ما زالت حية، لم تنقرض أو تتبدل أصلاً، فتكون تلك الرسالة مرجعاً صادقاً للتعرف على حقيقة الخطاب السماوي وسلامة المعتقد.
هذا هو المنطق العقلاني الذي يستند إليه المسلمون في عقيدتهم بوحدانية الله، وإيمانهم الصادق بما نَزَّلَ الله من رسالات وبمن أرسل من الرسل الكرام جميعاً.
أما عن الأحكام العملية، فإن الإيمان بجميع الرسل والرسالات لا يتنافى مع وجوب اتباع الأحكام العملية الواردة في أحدث رسالة نزلت من عند الله من حيث التاريخ. وهذا شبيه بمنطق الناس في اتباع القوانين الوضعية، فالمواطن يتبع أحدث قانون صدر في بلده عن السلطات الرسمية، وليس له اتباع قانون سابق عليه اعتماداً على أن السابق كان أيضاً صادراً عن السلطة الرسمية. وكذلك الأمر في اتباع أحكام الدين، فالأرض لله، والناس كلهم عباد الله، والخطاب الإلهي لا يفرق بين الناس من حيث الموطن أو الجنس أو اللون.
بينما كانت الكتابات قديماً قاصرة على الخاصة من طلاب العلم وأبناء علية القوم، وكان تعليمها وقفاً على المعابد والأديرة وعلماء الدين واللاهوت، وكان المجتمع في الجزيرة العربية من أكثر المجتمعات فقراً في عدد من يعرفون الكتابة. ومع ذلك كان الرسول محمد صلى الله عليه وسلم ـ وهو لا يعرف الكتابة ـ يحرص على استدعاء زيد بن ثابت ليدوّن ما أوحى الله إليه من آيات القرآن. ولم يكن زيد وحده يدوّن، بل قام بالتدوين مباشرة عن الرسول غيره من الصحابة، طواعية منهم وتقديراً لأهمية التدوين، ومن أمثال هؤلاء أُبَيُّ بن كعب، ومعاذ بن جبل ورجل يقال له أبو زيد، وبعض الروايات تذكر أبا الدرداء. كما أن بعض الصحابة كان ينسخ مصحفاً من ذاكرته الحافظة للقرآن، وبعضهم كان ينقل من وثائق كتبها غيره ... إلخ.
وبإلهام من الله الذي أنزل القرآن رسالة خاتمة، أمر الرسول صلى الله عليه وسلم بتعليم الصغار القراءة والكتابة. وتوسع رسول الله صلى الله عليه وسلم في ذلك إلى الحد الذي دفعه، في صراعه مع الكافرين، إلى الإفراج عن الأسير من أسرى بدر إذا ما عَلَّمَ عدداً من الصبية الكتابة والقراءة.
وكان من أثر ذلك أنه لم يمض وقت قصير على المسلمين بعد وفاة الرسول، حتى صار القرآن المكتوب في المصاحف يتداول باتساع كبير وكأن المجتمع يعيش في عصر الطباعة والنسخ. فظل للرسالة السماوية الخاتمة توثيقها الكتابي ـ السليم الكامل والمنقول نقلاً مباشراً ومتواتراً عن الرسول صلى الله عليه وسلم ـ محفوظاً. وبات الحفظ الشفاهي ينبثق من المكتوب في المصاحف ويراجع عليه، فبقي القرآن المحفوظ في الصدور في مأمن من النقص والزيادة والتغيير والتبديل، وأصبح تعليم اللغة العربية ينطلق من القرآن ويتأسس عليه.
والقرآن منذ أن نزل به الوحي على الرسول صلى الله عليه وسلم حفظته جموع من الناس شفاهة، وتناقلته جيلاً عن جيل بالتوازي مع النشر الكتابي للمصاحف. وهل نجد عدداً غفيراً يفوق الحصر من حافظي ومرتلي نص رسالة سماوية في كل جيل من أجيال الإنسانية غير قُرَّاء القرآن الكريم! وكل جيل من المسلمين في كل زمان يصلي بنصوص من تلك الرسالة. هذا والقرآن لم تتغير لغته العربية إلى اليوم، فلغته ما زالت حية بين الشعوب، ولا يشق على الناس في مجتمعاتنا الحاضرة الاطلاع على القرآن بالعربية، أو على معانيه المترجمة إلى اللغات الأخرى.
ونحن ننتصر للقرآن ابتداءً من هذا المنطق العلمي والتوثيقي الذي أوضحناه. إضافة إلى أن بلاغة النص، أعجزت العرب عن الإتيان بمثله، أو حتى بمثل سورة واحدة منه. وأن القارئ غير العربي يجد في مضمون معانيه المترجمة الحكمة والموعظة والاتزان والتناسق، وجميع الصفات اللائقة بالله عز وجل في خطابه للناس. فالقرآن يعظ ويرشد ويَعِدُ ويُوعِد، ويحفظ لجميع الرسل ما يليق بهم من حسن الصفات. لذلك تجد ملايين من غير الناطقين بالعربية يؤمنون به، رسالة خاتمة من الله إلى الناس أجمعين.