تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

لذلك لم يكن الحفظ الشفاهي وحده كافياً لتوثيق الرسالات، لأن الناس يختلفون ويجادل بعضهم بعضاً، وقد يصعب على أصحاب الذاكرة القوية الذين يختزنون المعلومات منضبطة أن يجعلوا من الصحيح فكراً سائداً بين الناس. فما أن يفارق الرسل الحياة إلا وتجد معارف الناس قد تغيرت وتناقضت حول الرسالة، إذ أن الأمر لا ينحصر في قوة الذاكرة لدى بعض الناس وضعفها لدى البعض فحسب، بل يذهب الأمر إلى أبعد من ذلك، فبعد موت الرسل يَتَخَفّف المنافقون والكافرون من هيبة كانت تضيق عليهم حدود نواياهم وتصرفاتهم، فتتسع أمامهم إمكانات ترويج الأكاذيب، ويسهل عليهم نسبة الباطل إلى الرسل وأتباعهم، فيبقى الكافر أو المنافق مطمئناً بعد موت الرسول، فلن تُحْرَم أفعاله من أن تَلْقَى أثراً في العديد من النفوس الضعيفة، وتتسع أمامه فرصة أن يفعل ما يشاء، وتضيق فرص محاسبته.

والجهلاء من ناحية أخرى، قد يُغيّرون قوالب المعرفة بالدّين، فيُدخلون على النصوص ما ليس منها، معتقدين أنهم بذلك يُقرّبون الناس من الشرع، ويُيَسّرون لهم تعلُّمه، فيخلطون الأدب والخيال والأساطير بنصوص رسالة السماء.

إذاً فالتوثيق الكتابي بالتدوين مباشرة عن الرسل كان أمراً مهماً للحفاظ على البلاغ السماوي منضبطاً كما نزل من عند الله على لسان رسوله، فإذا اختلفت أقوال الناس ومؤلفاتهم حول الرسالة، فعليهم أن يرجعوا إلى الأصل المكتوب في المدونة الأولى المسجلة مباشرة عن الرسول الذي بلَّغها، فَيُفْرَقُ الحق عن الباطل.

بأي لغة بلغت الرسل، وماذا دون الناس عنهم؟

إن للكتابة وجوداً قديماً، ولكن تعليمها وتداولها كان في الأزمنة البعيدة بين الخاصة دون العامة، فهل من هؤلاء الخاصة من دوَّن مباشرة بلاغ موسى وبلاغ عيسى وبلاغ محمد، صلى الله عليهم وسلم؟

إذا قال بعض الناس إن الألواح التي كانت مع موسى، عليه الصلاة والسلام، حملت إعجازاً من الله سبحانه وتعالى، فكانت تلوح منها المعاني المرسلة بمجرد أن ينظر فيها موسى أو أخوه هارون، فإننا لن نجادل في ذلك، وإنما يبقى سؤالنا الآتي: هل كانت تلك المعجزة تعني موسى وهارون وحدهما باعتبارهما نَبِيَّين، أم كانت عامة يستطيع كل الناس أن يَتَعَرَّفوا على معاني الخطاب الإلهي بمجرد النظر في تلك الألواح؟

فإن كان الاعتبار الأول، فالسؤال يبقى: ماذا دَوَّنَ الناس نقلاً مباشراً للخطاب الإلهي الذي بَلَّغَهُ موسى إليهم بلغتهم هم؟ وما هي لغة الخطاب المتداولة بين الناس آنذاك؟ أكانت الآرامية أم المصرية القديمة، أم كانت هناك لغات أخرى في موقع الرسالة وقتئذ ... إلخ؟

وإذا كان الاعتبار الثاني، فالسؤال: أين تلك الألواح؟ فالناس جميعهم سيتشوقون إلى النظر فيها ليلوح لهم الخطاب السماوي في تلك الرسالة على أصله الصافي، فَيَعِيه كل الناس على اختلاف ألسنتهم.

وما يقال عن عيسى، عليه الصلاة والسلام، من أنه بُعِثَ في قوم متفرقين إلى جماعات من حيث العِرْقُ واللغة والثقافة، فكان من المعجزات التي عزَّزهُ اللُه بها أنه كان يخطب بصوت، فيسمعه مباشرة كل سامع بلغته ـ أي بلغة السامع ـ ولو لم تكن هي اللغة التي يخطب بها عيسى. فالسؤال يبقى أيضاً: ماذا دوّن الناس عن عيسى مباشرة كل بحسب اللغة التي سمع بها، سواء بالآرامية أم بالعبرية أم بالسريانية ... ؟

لماذا نبحث عن تلك الأصول؟

إن أصول الرسالات السماوية هي ملك للإنسانية جمعاء، وكان يجب على الأجيال السابقة الحفاظ على الأصول الأولى لجميع الرسالات السماوية، ولكن مرور الزمان وما ينتاب المجتمعات من ظروف متقلبة، أدى إلى فقدان الوثائق الأصلية الأولى للرسالات السماوية قبل الإسلام، ولم يبق لرسالات السماء وثائق أصيلة مدونة سوى الأصول القرآنية. فالقرآن يمثل أصح وأكمل وثيقة لرسالة سماوية دونت مباشرة كما سمعها الكُتَّاب من الرسول محمد صلى الله عليه وسلم، الذي بلغها. بل إنه يمثل الوثيقة الأصلية الوحيدة الباقية لنص سماوي، لم يصبه تغيير بزيادة أو نقصان. تلك هي الرسالة الخاتمة التي هي ملك للإنسانية كلها وتخاطب كل الناس والمجتمعات.

ونحن أبناء هذا القرن، عصر الكتابة والطباعة والحاسوب والأنترنيت، تقتضينا قواعد البحث العلمي، طلب أصول جميع الرسالات السماوية والتحري عنها بالبحث والتدقيق، فلو اختلف مترجمان لكتاب مُعيَّن حول بعض محتوياته، فإنه يجب الرجوع إلى الكتاب الأصل وأن تكون لغة هذا الكتاب حيّة، حتى يتمكن المُطّلعون عليه من أن يفرقوا بين الصواب والخطأ.

لغات الرسل وأصول الرسالات · الصفحة ١٠٨

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

لغات الرسل وأصول الرسالاتص ١٠٨