تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا (82)﴾

(الكلام المتناقض)

" جاء في سورة النساء: (أفلا يتدبرون القرآن ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيراً) (1).

ولكننا نجد فيه التناقض الكثير مثل:

كلام الله لا يتبدل: كلام الله يتبدل

(لا تبديل لكلمات الله) (2): (وإذا بدلنا آية مكان آية .. ) (3)

(لا مبدل لكلماته) (4): (ما ننسخ من آية أو ننسها نأت بخير منها) (5)

(إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون) (6): (يمحو الله ما يشاء ويثبت وعنده أم الكتاب) (7)

هذه طريقتهم في عرض هذه الشبهة يقابلون بين بعض الآيات على اعتبار تصورهم، وهو أن كل آية تناقض معنى الآية المقابلة لها، على غرار ما ترى في هذا الجدول الذي وضعوه لبيان التناقض في القرآن حسب زعمهم.

الرد على هذه الشبهة:

الصورة الأولى للتناقض الموهوم بين آية يونس: (لا تبديل لكلمات الله) وآية النحل (وإذا بدلنا آية مكان آية .. ) لا وجود لها إلا في أوهامهم ويبدو أنهم يجهلون معنى التناقض تمامًا. فالتناقض من أحكام العقل، ويكون بين أمرين كليين لا يجتمعان أبداً في الوجود في محل واحد، ولا يرتفعان أبداً عن ذلك المحل، بل لا بد من وجود أحدهما وانتفاء الآخر، مثل الموت والحياة. فالإنسان يكون إما حيًّا وإما ميتا ولا يرتفعان عنه في وقت واحد، ومحال أن يكون حيًّا و ميتاً في آن واحد؛ لأن النقيضين لا يجتمعان في محل واحد.

ومحال أن يكون إنسان ما لا حى ولا ميت في آن واحد وليس في القرآن كله صورة ما من صور التناقض العقلي إلا ما يدعيه الجهلاء أو المعاندون. والعثور على التناقض بين الآيتين المشار إليهما محال محال؛ لأن قوله تعالى في سورة يونس (لا تبديل لكلمات الله) معناه لا تبديل لقضاء الله الذي يقضيه في شئون الكائنات، ويتسع معنى التبديل هنا ليشمل سنن الله وقوانينه الكونية. ومنها القوانين الكيميائية، والفيزيائية وما ينتج عنها من تفاعلات بين عناصرالموجودات، أو تغييرات تطرأ عليها. كتسخين الحديد أو المعادن وتمددها بالحرارة، وتجمدها وانكماشها بالبرودة. هذه هي كلمات الله عزّ وجلّ.

وقد عبر عنها القرآن في مواضع أخرى ب .. السنن وهي القوانين التي تخضع لها جميع الكائنات، الإنسان والحيوان والنبات والجمادات. إن كل شيء في الوجود، يجرى ويتفاعل وفق السنن الإلهية أو كلماته الكلية، التي ليس في مقدور قوة في الوجود أن تغيرها أو تعطل مفعولها في الكون.

ذلك هو المقصود به ب " كلمات الله "، التي لا نجد لها تبديلاً، ولا نجد لها تحويلاً.

ومن هذه الكلمات أو القوانين والسنن الإلهية النافذة طوعاً أو كرهاً قوله تعالى: (كل نفس ذائقة الموت) (8). فهل في مقدور أحد مهما كان أن يعطل هذه السنة الإلهية فيوقف " سيف المنايا " ويهب كل الأحياء خلوداً في هذه الحياة الدنيا؟

فكلمات الله إذن هي عبارة عن قضائه في الكائنات وقوانينه المطردة في الموجودات وسننه النافذة في المخلوقات.

ولا تناقض في العقل ولا في النقل ولا في الواقع المحسوس بين مدلول آية: (لا تبديل لكلمات الله) وآية: (وإذا بدلنا آية مكان آية .. ).

لأن معنى هذه الآية: إذا رفعنا آية، أي وقفنا الحكم بها، ووضعنا آية مكانها، أي وضعنا الحكم بمضمونها مكان الحكم بمضون الأولى. قال جهلة المشركين: إنما أنت مفتِرٍ (9).

فلكل من الآيتين معنى في محل غير معنى ومحل الأخرى.

فوائد منتقاة من (شبهات المشككين) (مرتبا بالآيات والسور) · الصفحة ٨٧

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

فوائد منتقاة من (شبهات المشككين) (مرتبا بالآيات والسور)ص ٨٧