تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

قالت: " كان بشراً من البشر، يغلى ثوبه، ويحلب شاته، ويخدم نفسه " رواه الإمام أحمد يفعل ذلك، وهو القَوَّام على الأمة كلها، في الدين والدولة والدنيا جميعاً! .. وفى خطبته صلى الله عليه وسلم بحجة الوداع [10 هجرية / 632 م] وهي التي كانت إعلانا عالميا خالداً للحقوق والواجبات الدينية والمدنية - كما صاغها الإسلام أفرد صلى الله عليه وسلم للوصية بالنساء فقرات خاصة، أكد فيها على التضامن والتناصر بين النساء والرجال في المساواة والحقوق والواجبات فقال: " ألا واستوصوا بالنساء خيراً، فإنهن عوان عندكم، ليس تملكون منهن شيئاً غير ذلك، إلا أن يأتين بفاحشة مبينة. ألا إن لكم على نسائكم حقاً ولنسائكم عليكم حقاً .. فاتقوا الله في النساء، واستوصوا بهن خيراً، ألا هل بلغت!. اللهم فاشهد ".

هكذا فُهمت القوامة في عصر التنزيل .. فكانت قيادة للرجل في الأسرة، اقتضتها مؤهلاته ومسئولياته في البذل والعطاء .. وهي قيادة محكومة بالمساواة والتناصر والتكافل بين الزوج وزوجه في الحقوق والواجبات ومحكومة بالشورى التي يسهم بها الجميع ويشاركون في تدبير شئون الأسرة .. هذه الأسرة التي قامت على " الميثاق الغليظ " ميثاق الفطرة والذي تأسس على المودة والرحمة، حتى غدت المرأة فيها السكن والسكينة لزوجها حيث أفضى بعضهم إلى بعض، هنَّ لباس لكم وأنتم لباس لهن، فهى بعض الرجل والرجل بعض منها: (بعضكم من بعض) (7) - (ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجا لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون) (8) (هنَّ لباس لكم وأنتم لباس لهن) (9) (وقد أفضى بعضكم إلى بعض وأخذن منكم ميثاقا غليظا).

وإذا كانت القوامة ضرورة من ضروريات النظام والتنظيم في أية وحدة من وحدات التنظيم الاجتماعى، لأن وجود القائد الذي يحسم الاختلاف والخلاف، هو مما لا يقوم النظام والانتظام إلا به.

فلقد ربط القرآن هذه الدرجة في الريادة والقيادة بالمؤهلات وبالعطاء، وليس بمجرد " الجنس " فجاء التعبير: (الرجال قوامون على النساء) وليس كل رجل قوّام على كل امرأة .. لأن إمكانات القوامة معهودة في الجملة والغالب لدى الرجال، فإذا تخلفت هذه الإمكانات عند واحد من الرجال، كان الباب مفتوحاً أمام الزوجة إذا امتلكت من هذه المقومات أكثر مما لديه لتدير دفة الاجتماع الأسرى على نحو ما هو حادث في بعض الحالات! ..

هكذا كانت القوامة في الفكر والتطبيق في عصر صدر الإسلام .. لكن الذي حدث بعد القرون الأولى وبعد الفتوحات التي أدخلت إلى المجتمع الإسلامي شعوباً لم يذهب الإسلام عاداتها الجاهلية، في النظر إلى المرأة والعلاقة بها، قد أصاب النموذج الإسلامي بتراجعات وتشوهات أشاعت تلك العادات والتقاليد الجاهلية في المجتمعات الإسلامية من جديد ..

ويكفى أن نعرف أن كلمةٍ " عَوَان " التي وصف الرسول صلى الله عليه وسلم بها النساء، في خطبة حجة الوداع، والتي تعني في [لسان العرب]: " النَّصَف والوسط " (11) أي الخيار وتعني ذات المعنى في موسوعات مصطلحات الفنون .. قد أصبحت تعني - في عصر التراجع الحضاري - أن المرأة أسيرة لدى الرجل، وأن النساء أسرى عند الرجال .. وأن القوامة هي لون من " القهر " لأولئك النساء الأسيرات!! حتى وجدنا إماماً عظيماً مثل ابن القيم، يعبر عن واقع عصره العصر المملوكى فيقول هذا الكلام الغريب والعجيب: " إن السيد قاهر لمملوكه، حاكم عليه، مالك له. والزوج قاهر لزوجته، حاكم عليها، وهي تحت سلطانه وحكمه شبه الأسير " (13)!!

فوائد منتقاة من (شبهات المشككين) (مرتبا بالآيات والسور) · الصفحة ٨٣

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

فوائد منتقاة من (شبهات المشككين) (مرتبا بالآيات والسور)ص ٨٣