تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

هذا احتمال .. ولكن متَّى نفسه يدفعه حيث روى عن عيسى عليه السلام نفس العبارة: " توبوا؛ لأنه قد اقترب ملكوت السماوات ".

فلو كان المراد بملكوت السماوات - هذه - عيسى عليه السلام لما وردت هذه " البشارة " على لسان عيسى؛ إذ كيف يبشر بنفسه، وهو قائم موجود، والبشارة لا تكون إلا بشيء محبوب سيأتي، كما أن الإنذار - قسيمه - لا يكون إلا بشيء " مكروه " قد يقع. فكلاهما: التبشير والإنذار - أمران مستقبلان.

إن ورود هذه العبارة عن عيسى نفسه تخصيص لذلك العموم المستفاد من عبارة يحيى عليهما السلام. فدل ذلك على أن المراد بملكوت السماوات رسول آخر غير عيسى. ولم يأت بعد عيسى - باعتراف الجميع - رسول غير رسول الإسلام صلى الله عليه وسلم.

فدل ذلك على أنه هو المراد بملكوت السماوات في عبارة عيسى عليه السلام - قولاً واحداً - وباحتمال أرجح في عبارة يحيى، إذ لا مانع عندنا - أن يكون يحيى عليه السلام قد بشر بها بعيسى عليه السلام.

أما بشارة عيسى فلا موضع لها إلا الحمل - القطعى - على رسول الإسلام صلى الله عليه وسلم.

وفى صيغة الصلاة التي علمها المسيح لتلاميذه - كما يروى مَتَّى نفسه - بشارة أخرى بنبي الإسلام. وهذا هو نص مَتَّى في هذا " فصلوا أنتم هكذا: أبانا الذي في السماوات ليتقدس اسمك ليأت ملكوتك ".

ووردت هذه الصيغة في إنجيل لوقا هكذا:

" متى صليتم فقولوا: أبانا الذي في السماوات ليتقدس اسمك ليأت ملكوتك .. ".

ويذكر لوقا أن المسيح جمع تلاميذه، وعلمهم كيف يقهرون الشياطين، ويشفون الأمراض ثم قال: " وأرسلهم ليكرزوا - أي يبشروا - بملكوت الله ".

أما مرقس فيسند هذه البشارة إلى المسيح نفسه إذ يقول: " جاء يسوع إلى الجبل يكرز ببشارة ملكوت الله ويقول: قد كمل الزمان واقترب ملكوت الله ".

فهؤلاء ثلاثة من التلامذة يتفقون على أن يحيى وعيسى (عليهما السلام) قد بشرا بملكوت الله الذي اقترب. فمن المراد بملكوت الله إذا لم يكن هو رسول الإسلام صلى الله عليه وسلم؟

وأكاد أجزم بأن عبارة " المسيح، قد كمل الزمان " لا تعني سوى انتهاء عصر الرسالات الموقوتة وإقبال الرسالة الخالدة .. !

- 3 -

أما يوحنا صاحب رابع الأناجيل. فإنه يذكر هذه البشارات في مواضع متعددة من إنجيله. ومن ذلك ما يرويه عن المسيح عليه السلام " الذي لا يحبنى لا يحفظ كلامى، والكلام الذي تسمعونه ليس لي بل للأب الذي أرسلنى. بهذا كلمتكم وأنا عندكم. وأما المعزى (اسم فاعل من الفعل المضعف العين عزى) (19) الروح القدس، الذي سيرسله الأب باسمى فهو يعلمكم كل شيء ويذكركم بما قلته لكم ".

كما يروى يوحنا قول المسيح - الآتي - مع تلاميذه: " إنه خير لكم أن انطلق. إن لم أنطلق لا يأتيكم المعزى، ولكن إن ذهبت أرسله إليكم. ومتى جاء ذاك يبكت العالم على خطية، وعلى بر وعلى دينونة " (21).

ويروى كذلك قول المسيح لتلاميذه: " وأما إذا جاء ذاك روح الحق، فهو يرشدكم إلى جميع الحق؛ لأنه لا يتكلم من نفسه. بل كل ما يسمع يتكلم به، ويخبركم بأمور آتية " .. ؟! (22).

فمن هو المعزى أو روح القدس أو روح الحق الذي بشر به المسيح عليه السلام حسبما يروى يوحنا .. ؟!

إن المسيح يقول:

إن ذلك المُعَرِّى أو الروح القدس لا يأتي إلا بعد ذهاب المسيح، والمسيح - نفسه - يُقِرُّ بأن ذلك المُعَرِّى أو الروح أَجَلُّ منه شأنا، وأعم نفعاً وأبقى أثراً، ولذلك قال لتلاميذه: خير لكم أن أنطلق. إن لم أنطلق لا يأتيكم المُعَرِّى.

وكلمة " خير " أفعل تفضيل بمعنى أكثر خيراً لكم ذهابى ليأتيكم المعزى ولو كان " المُعَزَّى " مساويا للمسيح في الدرجة لكانا مستويين في الخيرية ولما ساغ للمسيح أن يقول خير لكم أن أنطلق.

فوائد منتقاة من (شبهات المشككين) (مرتبا بالآيات والسور) · الصفحة ٢٨٢

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

فوائد منتقاة من (شبهات المشككين) (مرتبا بالآيات والسور)ص ٢٨٢