ومن باب أولى لو كان " المعزَّى " أقل فضلاً من المسيح. فعبارة المسيح دليل قاطع على أنه بشر بمن هو أفضل منه، لا مساوٍ له ولا أقل.
ثم يصف المسيح ذلك المُعَرَّى أو الروح بأوصاف ليست موجودة في المسيح نفسه عليه السلام. ومن تلك الأوصاف:
أ - إنه يعلم الناس كل شئ. وهذا معناه شمول رسالته لكل مقومات الإصلاح في الدنيا والدين. وذلك هو الإسلام.
ب - إنه يبكت العالم على خطية. والشاهد هنا كلمة " العالم " وهذا معناه شمول الإسلام لكل أجناس البشر، عربا وعجماً، في كل زمان ومكان. ولم توصف شريعة بهذين الوصفين إلا الإسلام.
ج - - إنه يخبر بأمور آتية، ويذكر بما مضى. وقد تحقق هذا في رسالة محمد صلى الله عليه وسلم.
فأخبر بأمور آتية لم يخبر بها من سبقه أو أخبروا ولكن ليس على وجه التفصيل والتأكيد الذي كان على يديه صلى الله عليه وسلم فكم في القرآن من أمور أخبر بها قبل أن تقع فوقعت كما أخبر، وكم فيه من الإخبار بما سيكون في الحياة الآخرة من أوصاف الجنة، والنار، والبعث، وعلامات الساعة، وتخاصم أهل النار، وحوار أصحاب الجنة مع " رجال الأعراف "، وندم من باعوا دينهم بدنياهم. إلخ .. إلخ.
وذكر بما مضى من أحوال الأمم، وقيام الحضارات ثم سقوطها وأحوال المرسلين وما بلغوا به أقوامهم والشهادة لهم بالصدق والأمانة والإخلاص والوفاء، ومسلك بعض الأقوام من رسلهم والصراع الذي دار بين المحقين وأهل الباطل، وعاقبة بعض المكذبين .. إلخ .. إلخ.
ثم استوعبت رسالته الحياة كلها فأرست قواعد الاعتقاد الصحيح وسنت طرق العبادة المثمرة، ووضعت أصول التشريع في كل ما هو متعلق بالحياة عاجلها وآجلها، ووضحت العلاقة السليمة بين المخلوق والخالق، وبين الناس بعضهم بعضاً. وحررت العقول، وطهرت القلوب ورسمت طريق الهدى لكل نفس ولكل جماعة ولكل أمة. أي أنها أرشدت إلى كل شئ. وعلمت كل شيء مما يحتاج تعلمه إلى وحي وتوقيف .. !
ذلك هو الإسلام، ولا شيء غير الإسلام.
وشهدت - فيما شهدت - للمسيح عليه السلام بأنه رسول كريم أمين أدى رسالته وبشر وأنذر بنى إسرائيل. وأنه عبده ورسوله (ذلك عيسى ابن مريم قول الحق الذي فيه يمترون) (23).
وشهادة رسول الإسلام لعيسى عليه السلام منصوص عليها في بشارات عيسى نفسه به (صلى الله عليه وسلم). فاسمع إلى يوحنا وهو يروى عن المسيح عليه السلام قوله الآتي. " ومتى جاء المعزَّى الذي سأرسله " أنا " إليكم من الأب روح الحق من عند الأب ينبثق فهو يشهد لي .. وتشهدون أنتم أيضاً لأنكم معى من الابتداء " (24).
روح القدس هذا، أو المعزَّى، أو روح الحق لا يمكن أن يكون عيسى؛ لأن عيسى لم يبشر بنفسه، وهو كان موجوداً ساعة قال هذا ولا يمكن أن يكون المراد به نبياً بعد عيسى غير محمد (صلى الله عليه وسلم) لأننا متفقون على أن عيسى لم يأت بعده نبي قبل رسول الإسلام صلى الله عليه وسلم.
فتعين أن يكون روح القدس، أو المعزَّى، أو روح الحق تبشيرا بمحمد صلى الله عليه وسلم إذ فيه تجتمع تلك الأوصاف، كما يتحقق فيه معنى " الأفضلية " إذ هو خاتم النبيين، الذي جاء بشريعة خالدة عامة، وعلى هذا حملنا قبلا قول عيسى: خير لكم أن أنطلق. إن لم أنطلق لا يأتيكم المُعَزِّى "
وهذا إقرار من عيسى بأن المبشر به أفضل من المُبَشِّر وكفى بذلك شواهد.
أما البشارة باسم " الفارقليط " فقد خلت منها الترجمات العربية المعاصرة للكتاب المقدس. ومعلوم أن الكتاب المقدس خضع للترجمات وطبعات متعددة؛ لدرجة أن الترجمات العربية لتختلف من نسخة إلى أخرى اختلافا بيناً.
وتحت يدي - الآن - نسختان من الطبعات العربية كلتاهما خاليتان من كلمة الفارقليط، وموضوع مكانها كلمة المعزى.