قال تعالى في سورة البقرة ، حاكياً محاجة إبراهيم - عليه السلام - مع النمرود : ? أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ
إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ : رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ
قَالَ : أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ
قَالَ إِبْرَاهِيمُ : فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ
فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ
وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ ? (1)
في هذه الآيات يعرض القرآن الكريم لصورة واضحة ، ومجادلة صريحة ، وحوار جريء حين تنتقل مواقف الحياة بإبراهيم – عليه السلام – إلى أن يقف أمام الملك النمرود الذي عظم ملكه ، وطال مكثه ، وادعى الربوبية ، يحاج إبراهيم في ربه ، منكراً لوجوده ، ولقدرته سبحانه ، وأحقيته بالعبادة وحده ، مدعيا ذلك لنفسه ، وقائلاً لإبراهيم في مقام محاجة أمام ملئه :
من ربك الذي تدعو إليه وتنادي بعبادته ؟
فأجابه إبراهيم في ثبات جنان ، وطلاقة لسان ، ونصاعة بيان : ? رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ ? يوجد الأشياء والأحياء من العدم ، ويميتهم بعد إيجادهم ، ويحييهم ويبعثهم بعد موتهم ، وتلك آية عظمى على الوجود والقدرة ، وهي آية وحجة كافية لمن يبحث عن الحق ، ويريد الحقيقة .
لكن النمرود أخذته العزة بالإثم ، وما رضي أن تنقطع حجته من أول الأمر ، فكابر وجادل ، وألبس الحق بالباطل .
فقال لإبراهيم : وأنا أعفو عمن حُكم عليه بالموت فرآه عياناً بيانا ، فأكون أحييته ، وأقتل من أشاء من الأحياء فأكون أمته ، فأنا إذاً أحيي وأميت ، فلا جديد في قولك ؛ وفرح النمرود بحجته – وهي حجة داحضة – فشتان بين الحقيقتين والحجتين ، ولكنها المكابرة والمراوغة ، وغرور السلطة ، وظن النمرود أن إبراهيم سوف يجادله في اختلاف الحالتين ، فتضيع الحقيقة بما يثور حولها من جدال .
(1) «البقرة» الآية (258) .