ولسنا هنا بصدد إدحاض هذه المفتريات ، وكشف عوارها في ضوء الحقائق الساطعة والأدلة الناهضة ، فلذلك مقام آخر هو أملك به ، وحسبنا أن نتبيّن من هذا المثال بعض ملامح الصورة المستقرّة في المخيال الغربي عن الإسلام وأهله .
_ الثالث : ترويج الدوائر الصهيوينة لنظرية ( الميراث اليهودي والمسيحي ) التي تجلي الستار عن حقيقة دينية مؤداها أن اليهودية أصل المسيحية ، وأن التوراة أو العهد القديم جزء لا يتجزأ من الكتاب المسيحي المقدس ، ومن ثم فإن هذه النظرية تروم إبراز روابط الآصرة الدينية بين اليهودية والمسيحية ، وتشعر في ، الآن عينه ، بأن الإسلام نقيض لهذا الميراث الديني المشترك وغريب عن مصدريته .
ولا شك أن المقصد من الترويج لهذه النظرية ( الطارئة ) زبْن الإسلام في الهامش ، وإقصاؤه من حلبة الأديان السماوية ، وإلا كيف نفسّر أن الحضارة الغربية كانت تعدّ نفسها أول الأمر نتاجاً مسيحياً هيلينياً ، ثم استعاضت عن هذا التصنيف بفكرة ( الميراث اليهودي المسيحي ) ؟! إنه _ ورب الكعبة _ تحالف مشبوه من أجل إبادة الإسلام ، والذي نقرّره في هذا المقام إحقاقاً للحق ، ووضعاً للأمور في نصابها ( أن المسلمين شركاء أصليون في ميراث الإيمان بالإله الواحد ، والتلقي عن السماء ، والتصديق بالنبوات ، وتبني القيم الأصيلة التي تقوم عليها النبوات في وحدتها الأساسية وجوهرها الواحد ) 1 .
والعجب أن هذه الصورة الكالحة عن الإسلام لم تستقر في المخيال الشعبي فحسب ، بل تعدت ذلك إلى المخيال النخبوي ؛ إذ نصادف في أجناس الكتابة وأدبيات التحليل المعنية بالحديث عن العلاقة بين الشرق والغرب ، ثنائيات تصطنع التناظر بين عالمين متناقضين انطلاقاً من أحكام القيمة ونزوات التعصب ، ومن هذه الثنائيات :
الشرق منفعل منقود ـــــــــــ الغرب فاعل ناقد
الشرق خرافي __________________ الغرب عقلاني
الشرق روحاني __________________ الغرب مادي