وتزعم أخرى؛ بأن الفنان لا يحاكم بالمعايير نفسها التي يحاكم بها سائر عباد الله، أي إنه من حقه - وليس من حق السياسي مثلا - أن يظهر الكفر ويدعو إلى التهتك، مادام يعرض علينا كفره وتهتكه في صورة أدبية أو فنية، وما دام الكلام ليس صادرا منه هو مباشرة، وإنما يقال على لسان شخصيات روايته أو قصته.
فهنيئا إذن لكل فاحش بذيء، إذ ما عليه - لكي ينجو من كل محاسبة - إلا أن يضع شتمه وبذاءته على لسان شخصية يخترعها، في قصة أو رواية قصيدة يكتبها.
ما ذا يعني هذا؟ أيعني أن الأعمال الفنية إنما هي أشكال لا محتوي لها؟ وأنها إنما يحكم عليها لذلك بشكلها لا بمضمونها؟ هل هذا صحيح؟ هل هذا هو الذي يفعله النقاد في تقويمهم للأعمال الفنية؟ وهل الشكل وحده هو الذي يبتغيه متعاطو هذه الأعمال؟
وهل معنى هذا أنه إذا كان كاتب ذو مواهب فنية رائعة، أنه يجوز له أن يكتب قصة فحواها الاستسلام لإسرائيل، وأنه لا يحق للفلسطينيين ولا غيرهم أن يعترضوا على ما فيها لأنها عمل فني؟ أم أن المحتوى الوحيد الذي لا يجوز الاعتراض عليه هو الاستهزاء بدين الله وتنقص أنبياء الله؟
وإذا كان بعض الناس يضعون الجمال الفني فوق الحق وفوق القيم، فما هكذا يرى المسلم المهتدي بكتاب ربه الذي يعلي من قدر الصدق والعدل، ويذم الكذب والجور في شكل جاء هذا أو ذاك، ولهذا حكم على الشعر بمحتواه لا بمجرد شكله، ﴿والشعراء يتبعهم الغاوون * ألم تر أنهم في كل واد يهيمون * وأنهم يقولون ما لا يفعلون * إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وذكروا الله كثيرا وانتصروا من بعد ما ظلموا﴾.