تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وهذه الصورة من التعصب تظهر في عصرنا في أكمل مبانيها، وفي أوضح معانيها؛ فمن تكلم بنصوصٍ في الحاكمية من وجوب الحكم بما أنزل الله، والتحذير من القوانين الوضعية، والأحكام الدولية، يُهْجَرُ أولاً ويعدُّ خارجياً ثانياً، كما أن مَن لم يرَ إقحامَ الأمةِ في ظلماتِ الخروج غير المنضبط بالضوابط الشرعية يعد مُرْجئاً جَهْمياً.

إن الظنَّ السيئَ، والاتهام بالبدعة، والتسرع في ذلك، رُوِّع بها شيوخ(11) وظلم بها علماء وهُجِرَ بها دعاةٌ لا يرون مسوِّغات ذلك، كما قال الأول: (وأرى العداوة لا أرى أسبابها) وكل ذلك بسبب أسانيد منقطعة (يقولون) ويرد ابن عصرون هذه الفرية مؤكداً كلامه بالقسم: (والله ما أنا بأشعري)، وكان حاله كحال القائل(12):

ولكني ظلمت فكدت أبكي من الظلم المبيَّن أو بكيت

الكذب وكيد الشيطان:

انظر كيف يُكذَبُ على العلماءِ بسندٍ مبهمٍ لا يُعرفُ قائله أجنيٌ أم إنسي؟ ومن يدري؟ لعل الشيطان هو الذي نقله! وما ذلك ببعيد، فقد قال أبو عمر بن عبد البر: (روينا أن جارية لصفية أتت عمر بن الخطاب فقالت: إن صفية تحبُّ السبت وتصل اليهود، فبعث عمر يسألها فقالت: أما السبت فلم أحبه منذ أن أبدلني الله به الجمعة، وأما اليهود فإن لي فيهم رحماً، فأنا أصلها، ثم قالت: يا جارية ما حملك على ما صنعتِ؟ قالت: الشيطان. قالت: فاذهبي فأنت حرة"(13).

ولكن إنْ مَرَّ كيدُ الشيطان على بعض العلماء فإنه لا يمرُّ على عمر ـ رضي الله عنه ـ الذي كان الشيطان يَفْرَقُ منه. وهكذا نجدُ أن الشيطان قد نَصَب أحابيله وأقامَ شِراكه ودبَّر مكائده حتى يصطاد العلماء وطلبة العلم فيها. فلا يُغْفَلُ عملهُ؛ إنه دورُ: "ولكن بالتحريش بينهم"(14).

مراعاة التخصصص:

والحاصل أن الدارقطني ـ رحمه الله ـ حين تكلم فيما تكلم لم يجاوز فنه، ولم يتعد تخصصه، فقد كان إمام الجرحِ والتعديل، والحديث عن الرجال، فلا يعنَّفُ ولا يُهْجَر. فإذا كان المخطئ في غير فنِّه يُرْفَقُ به، ويردُّ إلى الصواب فمن باب أوْلى المتخصص. ومن هنا ردَّ العلماءُ على ابنِ طاهر حين قال: "وأقبحُ ما رأيتُ في قولِ إمام الحرمين(15) في كتاب أصول الفقه: والعمدة في هذا الباب على حديث معاذ" قال: وهذه زلةٌ منه ولو كان عالماً بالنقل لما ارتكب هذه الجهالة".

قال الحافظ: "قلت: أساء الأدب على إمام الحرمين، وكان يمكنه أن يعبِّر بألين من هذه العبارة، مع أن كلام إمام الحرمين أشدُّ مما نقله عنه، فإنه قال: "والحديث مدون في الصحاح متفق على صحته لا يتطرق إليه التأويل"(16).

البحوث التربوية في مجلة البيان · الصفحة ٦١

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

البحوث التربوية في مجلة البيانص ٦١