تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

فالتعصب إذن مَزَلةُ أقدام، ومَظنّة أفهام، وآفة من آفات العلم، "وهو انتحالُ مجموعةٍ من الناسِ مذهباً أو انتخابُ آراء بحيثُ لا يبغون عنها حولاً ولا يريدون بها بدلاً".

إن الدارقطني أدَّاه اجتهادُه ـ وهو إمامُ الحديث ورجاله ـ إلى تليين أبي يوسف؛ فعلامَ يُترك الأخذ عن مجتهدٍ قد يكون رأيه هو الحق، ومذهبُه هو الصواب؟ ولكنه التعصب الذي يَحْرِم صاحبَه التعلم! قال حُسَيْنَكُ بنُ علي: أول ما سألني ابنُ خزيمة فقال: كتبت عن محمد بن جعفر الطبري؟ قلت: لا. قال: ولِمَ؟ قلت: لأنه كان لا يَظْهرُ وكانت الحنابلة تمنع من الدخول عليه(5). قال: "بئسَ ما فعلت. ليتَكَ لم تكتبْ عن كلِّ ما كتبتَ عنهم، وسمعتَ من أبي جعفر"(6).

فالواجب على طالب العلم ألا يتحيَّزَ لمذهبٍ معينٍ، ولا لآراء خاصة، وإنَّما ينتخب من الأقوال ما وافق الحق، ويجتنبُ ما خالفه.

التسرع في الحكم وعدم التثبت:

وتزداد الزاوية انفراجاً عند ترك التثبت، والتسرع في الحكم؛ فإن اجتهاد الدارقطني يُنظرُ إليه، فقد سبقه إلى ذلك نفرٌ من علماءِ الجرح والتعديل منهم شيخ المحدثين ـ البخاري ـ فقبلَ هجره يُتبَيَّنُ قوله، كما قال الحسنُ البصري ـ رحمه الله ـ: "المؤمنُ وقَّاف حتى يتبين"(7).

فإن أصاب فنعمَّا هو، وإن أخطأ فالكمال عزيز، وإنما يمدحُ العالمُ بكثرة ما له من الفضائل؛ فلا تدفنُ المحاسنُ لورطة ربما رجع عنها وقد يَغْفِرُ الله له باستفراغه الوُسعَ في طلب الحق فيه، ولمن ثبت عنده ذلك الخطأ أن يجادل بالتي هي أحسن، ويرشده إلى الحق مع حفظ الأخوة، وبقاء الاستفادة؛ فكم من علمٍ فاتَ بسبب التسرع وعدم التثبت.

قال قيسُ بن الربيع: "قدم علينا قتادة الكوفة فأردنا أن نأتيه فقيل: إنه يُبغِض علياً، ثم قيل: إنه أبعدُ الناس من هذا؛ فأخذْنا عن رجل عنه"(8).

كم فاتهم من الخير، وأي خسارة خسروا حين نزل سندهم فأخذوا العلم نازلاً بعد إمكان أخذه عالياً، وانظر إلى السند والإحالة تجدها عن مجهول "قيل: إنه يبغض علياً". وقيل: "إنه أبعد من هذا"، فأين تعاليم القرآن؟ (({يا أيُّها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأٍ فتبينوا أن تصيبوا قوما بجهالة فتصبحوا على ما فعلتم نادمين)) [ الحجرات: 6].

التعصب وسوء الظن:

وتزداد زاوية الانفراج للتعصب أكثر حين يُولِّدُ ظنوناً سيئةً ألا "وإن الظن أكذب الحديث"(9) ويؤدي إلى تتبع العثرات، وترصُّد الزلات، ويبدأ الخلاف في فرعية صغيرة فيرقى إلى الاتهام في أصول الإسلام وقواعد الديانة. قال الذهبي: "قرأت بخط الموفَّقِ قال: سمعنا درسه ـ أي ابن عُصْرُون ـ مع أخي أبي عمر وانقطعنا. فسمعت أخي يقول: دخلت عليه بعدُ، فقال: لِمَ انقطعتم عني؟ قلت: إن ناساً يقولون: إنك أشعري. فقال: "والله ما أنا بأشعري"(10) هذا معنى الحكاية.

البحوث التربوية في مجلة البيان · الصفحة ٦٠

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

البحوث التربوية في مجلة البيانص ٦٠