علي بن أبي طالب أن يذبح ما بقي من هديه ، ووكل أبا هريرة على الصدقة ، ووكل عروة بن الجعد أن يشتري له أضحية«(10) ، ولكن توكيل المخلوق غايته أن يفعل بعض المأمور ، وهو لا يفعل ذلك إلا بإعانة الله له ، فرجع الأمر كله لله وحده.
ضوابط الأخذ بالأسباب:
الأخذ بالأسباب لا بد له من ضوابط تقي من الوقوع في الشرك الناشئ من التعلق بها والاعتماد عليها ، ومن أهم هذه الضوابط ما يلي:
1- »الاعتقاد بأنها لا تستقل بالمطلوب ، بل تُتعاطى من غير ركون إليها ، ومع هذا فلها موانع ، فإن لم يكمل الله الأسباب ، ويدفع الموانع: لم يحصل المقصود ، وهو (سبحانه) ما شاء كان وإن لم يشأ الخلق ، وما لم يشأ لم يكن وإن شاءه الخلق« (11).
2- »ألا يعتقد في الشيء أنه سبب إلا بعلم وتحقق، فمن أثبت سبباً بلا علم، أو بما يخالف الشريعة: كان مبطلاً في إثباته ، آثماً في اعتقاده«(12).
3- »أن الأعمال الدينية لا يجوز أن يُتخذ شيء منها سبباً ، إلا أن يكون مشروعاً ، فإن العبادات مبناها على التوقيف، فلا يتقرب إلى الله (عز وجل) بالأعمال الشركية أو البدعية أو نحوها«(13).
4- »إذا لم يوجد من الأسباب في تحصيل المطلوب إلا سبباً محرماً: فلا يجوز مباشرته ولا الأخذ به ، وتوحد السبب في حقه في التوكل على الله (عز وجل) ، فلم يبق سبب سواه ، فإنه من أقوى الأسباب في حصول المراد ، ودفع المكروه ، بل هو أقوى الأسباب على الإطلاق«(14).
5- »إن كان السبب مباحاً، نُظر: هل يضعف القيام به التوكل أو لا يضعفه ، فإن أضعفه، وفرق على العبد قلبه ، وشتت همه: فترْكه أولى ، وإن لم يضعفه: فمباشرته أولى؛ لأن حكمة أحكم الحاكمين اقتضت ربط المسبب به ، فلا تعطل حكمته مهما أمكن القيام بها ، لا سيما إذا كان الأخذ بالسبب عبودية لله (عز وجل) ، فيكون العبد قد أتى بعبودية القلب بالتوكل ، وعبودية الجوارح بالسبب المنوي به القربة« (15).
»إن القيام بالأسباب على نحو ما سبق هو الذي يحقق التوكل ، فمن عطل الأسباب المأمور بها لم يصح توكله ، كما أن القيام بالأسباب المفضية إلى حصول الخير يحقق رجاءه ، فمن لم يقم بها كان رجاؤه تمنياً ، كما أن من عطلها يكون توكله عجزاً أو عجزه توكلاً« (16).
»وسر التوكل وحقيقته هو: اعتماد القلب على الله وحده ، فلا يضره مباشرة الأسباب مع خلو القلب من الاعتماد عليها والركون إليها ، كما لا ينفعه قوله »توكلت على الله« مع اعتماده على غيره وركونه إليه وثقته به ، فتوكل اللسان شيء ، وتوكل القلب شيء«(17).
مظاهر الانحراف في مفهوم التوكل وتطبيقه: