تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وضّح الإمام ابن القيم (رحمه الله تعالى) هذه المسألة أتم توضيح بقوله:

»فأهل السموات والأرض ـ المكلفون وغيرهم ـ في مقام التوكل ، وإن تباين متعلق توكلهم:

ـ فأولياؤه وخاصته يتوكلون عليه في الإيمان، ونصرة دينه وإعلاء كلمته ، وجهاد أعدائه، وفي محابِّه وتنفيذ أوامره.

ـ ودون هؤلاء: من يتوكل عليه في استقامته في نفسه ، وحفظ حاله مع الله ، فارغاً عن الناس.

ـ ودون هؤلاء: من يتوكل عليه في معلوم يناله منه: من رزق ، أو عافية ، أو نصر على عدو ، أو زوجة ، أو ولد.. ونحو ذلك.

ـ ودون هؤلاء: من يتوكل عليه في حصول الإثم والفواحش؛ فإن أصحاب هذه المطالب لا ينالونها غالباً إلا باستعانتهم بالله وتوكلهم عليه.

فأفضل التوكل: التوكل في الواجب ـ أعني واجب الحق، وواجب الخلق، وواجب النفس ـ وأوسعه وأنفعه: التوكل في التأثير في الخارج في مصلحة دينية، أو في دفع مفسدة دينية؛ وهو توكل الأنبياء في إقامة دين الله، ودفع فساد المفسدين في الأرض، وهذا توكل ورثتهم، ثم الناس بعدُ في التوكل على حسب هممهم ومقاصدهم ، فمِنْ متوكل على الله في حصول الملك ، ومن متوكل في حصول رغيف« (6).

التوكل وأنواعه:

1- توكل الموحدين الصادقين:

وحقيقته: الاعتماد على الله (عز وجل) وحده ، والثقة بكفايته مع فعل الأسباب المأذون فيها من غير اعتماد عليها ولا ركون إليها ؛ فخالق الأسباب ومسببها هو الله وحده.

2- التوكل الشركي ، وهو نوعان:

أ - أكبر، وهو: »الاعتماد الكلي على الأسباب، واعتقاد أنها تؤثر استقلالاً في جلب المنفعة أو دفع المضرة ، وهذا من الشرك الأكبر«(7).

ب - الشرك الأصغر ، وهو: »الاعتماد على شخص في رزقه ومعاشه.. وغير ذلك ، من غير اعتقاد استقلاليته في التأثير، لكن التعلق به فوق اعتقاد أنه مجرد سبب، مثل اعتماد كثير من الناس على المالية في الراتب ، ولهذا تجد أحدهم يشعر من نفسه أنه معتمد على هذا الراتب أو من يقرر الراتب اعتماد افتقار ، فتجد في نفسه من المحاباة لمن يكون هذا الرزق عنده ما هو ظاهر«(8).

3- التوكل الجائز:

»وهو أن يُوكِّلَ الإنسان في فعل يقدر عليه ، فيحصل للموكِّل بذلك بعض مطلوبه ، فأما مطالبه كلها فلا يقدر عليها إلا الله وحده«(9) »كمن وكّل شخصاً في شراء شيء أو بيعه ، فهذا لا شيء فيه ، لأنه اعتمد عليه ، وكأنه يشعر أن المنزلة العليا له فوقه ، لأنه جعله نائباً عنه، وقد وكل النبي

البحوث التربوية في مجلة البيان · الصفحة ٣٣٤

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

البحوث التربوية في مجلة البيانص ٣٣٤