ـ وحينئذ لا يضر العامة تقليد أئمتهم في خطأ لم يتبين لهم، ما داموا على هذه النية مستعدين لتقديم قول الله ورسوله على قول المذهب والإمام. لا أن يكون حالهم كحال المقلدين القدامى الذين ﴿إِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءنَا﴾.
صور التعصب المذهبي
ولقد بلغ التعصب المذهبي أن صار في القرية الواحدة أربعة قضاة وأربعة مفتين: قاض ومفت للشافعية وقاض ومفت للحنبلية وقاض ومفت للحنفية وقاض ومفت للمالكية!
ـ واتخذ المسلمون من المذاهب شكلاً حزبياً بحتاً أساء إلى من تنتمي المذاهب إليهم قبل كل شيء، واتخذ التمذهب شكلاً إقليمياً فمن كان من أهل المغرب فهو بالتأكيد مالكي ومن كان من بلاد الهند وما وراء النهر فلا بد أنه حنفي! وصار من المستحيل تخيل باكستاني يدين بمذهب مالك، ومن المستحيل تخيل مغربي يدين بمذهب أحمد أو الشافعي.
ـ وبرزت تلك الصورة القاتمة المظلمة من العالم الإسلامي، فكلٌّ له إمامه يتبعه في الفقه وفي العقيدة، وفي كل مدينة أربعة قضاة يقضي كل منهم حسب المذهب وصار في المسجد الواحد أربعة أئمة كل منهم يصلي وراء إمام مذهبه.
ولو قدّر للشافعي أن يحيا بيننا وينظر التعصب الذي أحدثوه باسمه لتبرأ من المنتسبين إلى مذهبه.
التعصب ليس من سمات أمة الحق
لم يكن من اللائق بالمسلمين – وهم حملة الحق إلى العالم أن يتفشى فيهم مرض التقليد الذي استنكره الله على الأمم الأخرى ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنزَلَ اللّهُ قَالُواْ بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءنَا﴾ (البقرة 170) وفي آية أخرى ﴿حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءنَا﴾. لم يكن لائقاً أن يقع التقليد في الأمة التي أُخرجت للناس بالحق والهدى والنور. فيظهر فيها من يقول لأئمة المذاهب سمعنا وأطعنا ولنصوص القرآن والحديث سمعنا وعصينا.