ولو وصف كل منهم له دواءً مختلفاً عن الآخر فماذا يفعل؟ هل يقول: أنا آخذ بقول الطبيب الثاني لأن الدواء الذي وصفه أرخص الأدوية وأيسرها تناولاً وهل يتطلب هذا التحقق من المريض أن يكون طبيباً؟
فلماذا لا نفعل ذلك فيما يتعلق بالمذاهب إذا كنا حريصين على آخرتنا؟ فيتخير المسلم ما ترجح عنده أنه أقرب الأقوال إلى الصواب. ويكون حريصاً في دينه كحرصه في دنياه.
وهل أراد الأئمة باجتهادهم أن يكون لهم مذهباً يقلده الناس أم كانوا يعرضون اجتهاداتهم التي هم فيها بين مصيب ومخطئ ليعمل الناس بما ترجح صوابه وليكمّل من يأتي بعدهم مسيرتهم العلمية فيجتهد في حسم المسائل وفي الحكم على القول الراجح من الأقوال بكل إنصاف وبلا تعصب.
وهل كان هؤلاء الأئمة ليغضبوا على من يميز القول الراجح من بين أقوالهم المختلفة أم أن مرونتهم وفقههم وسعة عقولهم ورحابة صدورهم تجعلهم لا يعارضون ذلك؟ لقد كانوا يتّسمون بالسماحة والمرونة التي نفتقدها اليوم.
المثال الثاني
تصور لو أن الناس تعصبوا لمخترع لأول سيارة (مرسيدس) وأصروا على أن تصميمه للسيارة هو الأصح والأكمل وأنه لا يجوز لأحد أتى بعده أن يعدّل تصميمه ولا يطوره وإلا كان مجترئاً متطاولاً عليه، مدّعياً أنه أفضل منه عملاً وأكمل منه ذكاء!!
لو أن هذا حصل لبقيت هذه السيارة القديمة على حالها اليوم من غير تطوير ولا تحسين.
إن اجتهادات الأئمة السابقين ليست وحياً لا يجوز مساسه أو تغييره أو الاعتراض عليه، وإنما التعديل في اجتهاداتهم هو خطوة دينية في سبيل الأحسن. وإلا لو تعصبنا واعتبرنا قولهم دائماً هو الحق لشابهنا بذلك الشيعة القائلين: بأن كلام الأئمة هو من كلام الله وأن الرادّ عليهم رادّ على الله لأنهم يعتقدون أن الأئمة معصومين. وهذا التعصب كما سترى يتعارض تماماً مع منهج الأئمة النبلاء من هذه الأمة أمثال الشافعي وأبي حنيفة ومالك وأحمد وغيرهم.
أين نحن منهم؟