إن المسلم ليفرح بنعمة أخرى وهي الرضا بقضاء الله وقدره في كل حال. ذلك أن هذه النفس ترى أن المقادير تجري بأمر الله ووفق مشيئته وتدبيره. وأن الأحداث تنبثق بحكمة الله وإرادته، وهو يعلم: والناس لا يعلمون. كما قال تعالى ﴿وَعَسَى أَن تَكْرَهُواْ شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَعَسَى أَن تُحِبُّواْ شَيْئاً وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ وَاللّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ﴾ (البقرة 216)(1).
لا سيما إذا تذكر عند المصيبة ذنوبه ومعاصيه فإن المصيبة تهون حينئذ، لا سيما حين يرجو معها المغفرة وحين يعلم أن المصائب تجلب معها الكفارات ومحو الخطايا. قال تعالى ﴿وَمَا أَصَابَكُم مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَن كَثِيرٍ﴾ (الزخرف 30).
وقال تعالى ﴿مَا أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَمَن يُؤْمِن بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ﴾ (التغابن 11). فالمؤمن تنزل به المصيبة فيعلم أنها قدر الله، فيطمئن ويرضى ويسلّم، ولا يعترض على خالقه، بل يرجو أن ينزل معها الثواب والمغفرة ورفع الدرجات.
ثم يتذكر أن الأنبياء كانوا أشد ابتلاءً من جميع البشر فيقتدي بهم في ذلك ويستصغر مصيبته بجانب مصائبهم. قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - "أشد الناس بلاءً الأنبياء، ثم الأمثل فالأمثل، يُبتلى الرجلُ على حسب دينه، فإن كان في دينه صلابة ابتُلِيَ على قدر ذلك، وإن كان في دينه رقّة هُونَ عليه. فما يزال البلاء بالرجل حتى يدَعُهُ يمشي على الأرض وليس عليه خطيئة"(2). وقال "ما يصيب المؤمن من وصب ولا نصب ولا سقم ولا حزن حتى الهم يهمه إلا كفر الله به عن خطاياه"(3).
(1) نفس المصدر 120 .
(2) رواه الترمذي رقم (2400) بسند صحيح .
(3) رواه البخاري ومسلم رقم (2573) .