أمّا طالب العلم مثلاً؛ إذا تعيّن عليه العلم لم يجز له أداء الصّلاة بنقصٍ أو بأيِّ اتّجاهٍ أو غير ذلك من الأحكام التي تختصّ بالمجاهد، وكذلك الصيام فإنّه إن خشي الهزيمة بسبب صيامه وعدم القدرة على الجهاد المتعيِّن وجب عليه الفطر.
قال شيخ الإسلام: (والعدوّ الصائل الذي يفسد الدّين والدّنيا لا شيء أوجب بعد الإيمان من دفعه ولا يشترط له شرط ... ).
ففي هذه الحالة يكون المجاهد أفضل من العالم القاعد.
بل المجاهد لا يأثم بتركه طلب العلم المتعيّن، أمّا العالم فإنّه يأثم بترك الجهاد المتعيّن عليه ولو اشتغل عنه بفرض العلم، فلّما كان المجاهد والحالة هذه أفضل من العالم القاعد؛ كانَ إثم من يقع في المجاهدين أشدّ الإثم وجرمه أفضع الظلم.
وسواءً قال أحدٌ؛ بتعيّن العلم اليوم أم لم يقُل، فعلى أيّ القولين يكون الجهاد أفضل وأعظم حرمةً وأشدُّ وأعلى منزلة، فإثم من يقع في أعراض المجاهدين أشدُّ من إثم من يقع في أعراض غيرهم كائناً من كان.
وهذا ردٌّ بالعلم على هؤلاء الذين يدعون إلى التحاكم للعلم والرّجوع إليه، فهذا العلم يحكم للمجاهدين على العلماء القاعدين، ونعمَّا به من حَكَمٍ وحاكم، فقد أثبت لنا أنّ؛ "لحوم المجاهدين مسمومة".
وقد بقي بعد كلّ هذا السّرد أمرٌ يجدر التنبيه عليه؛ ألا وهو أنّ المقارنة التي أجريناها هذه، إنّما عنينا بها العلماء الصادقين المخلصين القاعدين، والمجاهدين في سبيل الله حقّاً وصدقاً، أصحاب المنهج السديد والرأي السليم الرشيد.
فأمّا أنصار الطواغيت والكفار وأصحاب المبدئ الهدامة والأفكار المختلّة، أو علماء السوء وأبواق الضلالة؛ فهؤلاء لا نقصِدُ إليهم في كلامنا البتّةً.
بل هؤلاء يجب كشف عورهم وتوضيح خطرهم للناس، وما في لحومهم إلاّ سموم الحرام وأكل أموال النّاس، وملء البطون من موائد الطواغيت، فمِن هاهُنا يقولون للناس: "نحن لحومنا مسمومة"! أي مما سمّمت به من أموال السّحت، ففيهم شبهٌ ممن قال الله فيهم: ﴿إِنَّ كَثِيراً مِنَ الْأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾، قاتلهم الله أنّى يؤفكون.