تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

تصويب، ورسالة شبه مفتوحة

بسم الله الرحمن الرحيم

لا أبالغ إن قلت: التصويب خير كله، أو كله خير؛ ذلك باعتبار معناه المجرد، وبالنظر إلى مقصوده المتبادر إلى الذهن من ظاهر لفظه، فهو في حد ذاته قيمة أخلاقية، ومنطقية عقلية، وضرورة إصلاحية نهضوية لا غناء عنها، بل لا يتصور قيام منهج تصحيحي تغييري إلا على قاعدتها، وهو - بهذا البعد -: مقصودٌ رئيسٌ لفقه المراجعات، إذ إن المراجعات - كما عرَّفْناها في كتابات سابقة - هي: "نظر المرء في كسبه؛ بقصد التراجع عن شره، وتكميل خيره" [1].

وهذا المعنى القيم ورد به صريح القرآن الكريم كما في قول الله تعالى: (يَا أيُّهَا الذينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ ولْتَنْظرْ نفسٌ ما قدمت لغدٍ واتَّقُوا اللهَ إنَّ اللهَ خبيرٌ بما تَعْمَلُونَ) [2].

والسياق - هنا - سياق منهجي تُخاطَبُ به الجماعة المسلمة كما يخاطب به كلُّ مكلف على حدة.

ثمَّ في هذه الآية الكريمة نكات:

1) أنها جعلت النظر في الأعمال على سبيل مراجعتها وتصويبها شأناً تكتنفه التقوى من كلا طرفيه، فهو من مقتضياتها من جهة، وهي - أي التقوى - من لوازمه من جهة أخرى، فكأن العلاقة بينهما علاقة عضوية مزدوجة، ما يعنى ...

- أن التقوى هي الحامل على النظر في الأعمال - مراقبة ومحاسبة وإلماماً بأوجه الإصابة والمخالفة جميعاً وتمييزاً بينها -

- وأن هذا النظرلا يقع على الوجه المراد بحيث تتحقق ثمراته إلا باستصحاب التقوى ... تحرياً لصحيح العلم واستجابة له وامتثالاً لمقتضاه، حيث يُرجى - معها - تركُ السيء وتكميل الحسن.

- وأنه من هذا وذاك ينتظم مفهومُ المراجعة من مبتدئها إلى منتهاها؛ ( ... اتقوا اللهَ ولتنظر نفس ما قدمت لغد واتقوا الله ... ).

2) أن التقوى - هاهنا -: هي التقوى النابعة من الإيمان بالله تعالى، والتزام دينه عقيدة وشريعة وأخلاقاً، فهي ذات خصائص فريدة تميزها عن مُقَابِلاتها في غير منهج الإسلام، كـ "الضمير الإنساني" الهلامي التخييلي، و"الوازع الأخلاقي" - بالمفهوم التعويمي الفضفاض المذبذب – و "العرف الاجتماعي" المتغير المتقلب المشتت.

فمن أهم خصائصها؛ ديمومة استحضار مراقبة الله تعالى في السر والعلن، وإحاطة علمه جل وعلا بكل شيء من جليل الأشياء ودقيقها، وأنه - عز وجل - يعلم السر وأخفى، كما جاء في القرآن العظيم: (واعْلَمُوا أَنَّ اللهَ يَعْلَمُ مَا فِي أَنْفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ) [3].

أحوال المسلمين مقالات وردود · الصفحة ٣٨٨

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

أحوال المسلمين مقالات وردودص ٣٨٨