تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

يجوز عليهم السهو والخطأ، لذا حذروا أتباعهم من تقليدهم تقليداً أعمى، بل كانوا يقولون لهم خذوا من حيث أخذنا.

وكان أحمد يقول: (لا تقلدني ولا تقلد مالكاً ولا الشافعي ولا الأوزاعي ولا الثوري، وخذ من حيث أخذوا).

بل وقد تفطن هؤلاء العمالقة إلى أنه ربما أدت مكانتهم العلمية إلى تعظيمهم، فخشوا أن يكون ذلك سبباً في اتباع ما يقولون وترك ما يقول النبي صلى الله عليه وسلم.

فهذا الأمام الشافعي يقول لتلامذته: (إذا صح الحديث فهو مذهبي).

وقال أيضاً: (إذا رأيتم قولي يخالف قول النبي صلى الله عليه وسلم فاضربوا بقولي عرض الحائط).

وقال: (متى رويت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم حديثاً صحيحاً فلم آخذ به، فأشهدكم أن عقلي قد ذهب).

وقريباً من هذا نقل عن كل من الأمام أبي حنيفة ومالك وأحمد وغيرهم من علماء السلف والخلف رحمهم الله.

وأنظر إلى هذه المناظرة العلمية بين الشافعي وإسحاق بن راهوية - وكان محدثاً كبيراً، وصديقاً للأمام أحمد ونظيره في العلم، وأعلم من كان وراء النهر -

قال الشافعي: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (وهل ترك لنا عقيل من دار)، أي لم يُبقي عقيل للنبي صلى الله عليه وسلم من الإرث شيئاً في مكة.

فقال له إسحاق: (ولكن الحسن وإبراهيم وعطاء لا يذهبون لذلك).

فقال الشافعي راداً عليه: (لو قالها غيرك لفركت أذنه، وهل لأحد مع رسول الله قول؟!).

هكذا يستنكر الإمام الشافعي على عالم كبير الاستدلال بأقوال العلماء وفي المسألة نص صريح من الآحاد من حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكيف يكون إنكاره على مَن كانت مخالفته لما هو قطعي الثبوت والدلالة من نصوص القرآن أو السنة؟! وهذا المنهج تعلموه من صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم.

مما سبق يتبين لنا عظم خطورة مخالفة ما جاء في القرآن وما جاء في السنة المطهرة، بحجة التمسك بقول عالم من العلماء.

لذا نجد الأمام ابن القيم رحمه الله يضع كتاباً برأسه في هذه القضية أسماه "إعلام الموقعين عن رب العالمين"، فاعتبر العالم عندما يفتي في مسألة ويقول هذا حلال أو هذا حرام يوقع عن رب العالمين، أي كأن الله يقول: هذا حرام وهذا حلال، لذا ليس له أن يقول ذلك عن تقصير في الاجتهاد أو هوى أو إرضاء لأحد من الخلق، بل عليه مراعاة ضوابط وشروط شديدة حتى يقبل قوله وإلا رد عليه، ولا قبول مطلق

أحوال المسلمين مقالات وردود · الصفحة ٣٩٢

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

أحوال المسلمين مقالات وردودص ٣٩٢