الثالث؛ هو أن هناك شجاعة محمودة ومطلوبة:
ألا وهي شجاعة المواقف والقرارات، ولعلها المأخوذة من قول ربنا العظيم: ﴿فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ﴾.
ومما يجسد هذا المعنى ويوضحه موقف الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم لما استشار الصحابة رضي الله عنهم في غزوة أحد وأشاروا عليه بالخروج وملاقاة الأعداء خارج المدينة المنورة وأخذ برأيهم ولبس لأمة الحرب، ثم بدا لبعض الصحابة أنه قد يكونون أكرهوا الرسول صلى الله عليه وسلم على الخروج، وكان رأيه - أولاً - مقاتلة الأعداء داخل المدينة، ولكن بما أنه قد عزم أمره واتخذ القرار الأخير بالخروج متوكلاً على الله عز وجل فقال قولته الحاسمة: (ما كان لنبي إذا لبس لأمة الحرب أن يدعها حتى يفصل الله بينه وبين أعدائه) [(1)]- أو كما قال صلى الله عليه وسلم -
وموقف خليفة رسول الله أبى بكر الصديق رضي الله عنه في إنفاذه جيش أسامة وقتاله المرتدين من المواقف الجلية الواضحة في بيان المقصود.
فالواجب على من ولاهم الله مسئولية عامة أن يكونوا شجعاناً أقوياء في قراراتهم ومواقفهم بعد الاستشارة الوافية والاستخارة للعليم الخبير عز وجل.
كيف نكون عابدين لله؟
ومما ينبغي للمسلمين - عموماً - والمجاهدين - خصوصاً - أن يسعوا إليه ويجتهدوا في تحصيله؛ هو الاقتداء برسول الله صلى الله عليه وسلم في عبادته لله عز وجل! ولقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أعبد الناس لله وأتقاهم وأخشاهم له، ولذلك وصفه الله بهذه الصفة في أشرف المقامات وأكرمها في الوحي في قوله تعالى: ﴿فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى﴾، وفي الدعاء: ﴿وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ كَادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا﴾، وفي الإسراء: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى﴾.
والمقام لا يتسع لبيان كيف كانت عبادة الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم لربه الجليل عز وجل وتحريضه للأمة على ذلك، وهي مبسوطة في موضعها، ولعل في كتاب "زاد
(1) حديث: (لا ينبغي لنبي إذا أخذ لأمة الحرب، وأذن في الناس بالخروج إلى العدو أن يرجع حتى يقاتل)، رواه البيهقي من رواية ابن عباس، وقال: إسناده حسن.