تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

بكثيرٍ من الواجب العقلي لتنفيذ هذه المهمات، فلو قُلتُ أريدُ أن أشُقّ البحر، فهل من المعقول أن يُقال اضربهُ بعصا؟! لا يمكنُ هذا إلا أن تتدخل القوة الإلهية فهو على كل شيءٍ قدير.

هل كلّف اللهُ الأُمة فوق طاقتها؟

قال اللهُ: ﴿لا يُكلّفُ اللّهُ نفساً إلّا وُسعها﴾، وقال: ﴿لا يُكلّفُ اللّهُ نفساً إلّا ما آتاها﴾، وقال: ﴿فاتّقُوا اللّه ما استطعتُم﴾.

وقال صلى الله عليه وسلم: (وإذا أمرتُكم بأمرٍ فأتوا منهُ ما استطعتُم) (1).

ولكن كيف الجمعُ بيّن هذه الآيات وبيّن الأحداث التاريخية من حيثُ غزوة بدرٍ، والخندقٍ، وغيرٍهما فكان الأمرُ لا يُطاقُ عقلاً لكثرة العدوّ وقوّته، فهل حمّل اللهُ الأمة ما لا تُطيق؟ أقولُ هُنا السّرُّ الغائبُ عن الأمة اليوم إلا من رحم الله، أنّ الله لم يُكلّفهُم مالا يُطيقون، بل كلّفهم ما يُطيقون لأنّهُ سبحانهُ وبكل بساطةٍ "معهُم"، فإذا كان اللهُ معهُم فهُم أكبرُ بالله وأكثرُ، وإلا لقُلنا أنّ النبيّ الكريم حمّل الأمة ما لا تُطيقُ، وخاض بها حيثُ نهاهُ اللهُ تعالى، وحاشاهُ، فأهلُ النّفاق، والّذين في قُلوبٍهم مرضٌ لا يُبصرون هذه الحقيقة، فلم يتعاملوا معها حسب مُقتضى التّوكُّل، بل تعاملوا معها حسب مُعطيّات الأسباب فحسب، فخُذلوا كما قال شيخُ الإسلام رحمهُ اللهُ تعالى فيما أسلفنا ذكرُهُ آنفاً، فلذلك يعُودُ التًاريخٌ بأحداثه القديمة فنذكر قول الله تعالى: ﴿فلمّا جاوزهُ هُو والّذين آمنُوا معهُ قالُوا لا طاقة لنا اليوم بجالُوت وجُنُوده﴾.

وأريدُ منك أخي الكريم أن تُركّز معي هُنا قليلاً، ليتبيّن لك الأمرُ، إنّ الّذين قالوا لا طاقة لنا هُم: طائفةٌ من الّذين آمنوا، ولم يكونوا من الكُفار، فنفوا أن يكون لهم طاقةٌ، وعلى ضوء هذا أخذ البعضُ منهم يُنظّرُ لطالوت، علماً أن الله زادهُ عليهم في العلم، ويُخبروهُ أنّهُ إن خاض بهم هذه المهمةُ فقد حمّلهم مالا طاقة لهم به، فسبحان الله ما أشبه اليوم بالبارحة؟! ولكنّ الطائفة التي تعلمُ أنّ الله معها قالت: ﴿قال الّذين يظُنُّون أنّهُم مُلاقُو اللّه كم من فئةٍ قليلةٍ غلبت فئةً كثيرةً بإذن اللّه واللّهُ مع الصّابرين﴾.

جهادُ الدفع أمرُهُ آخر:

(1) رواهُ البُخاري ج6/ص2658

أحوال المسلمين مقالات وردود · الصفحة ٢٨٤

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

أحوال المسلمين مقالات وردودص ٢٨٤