ولكن هل الأمة الإسلامية، والعرب رأسها، قادرة اليوم على القيام بهذا الدور؟ بالطبع كلا. فما افترضنا من أن المسلمين هم الوحيدون في العالم، القائلون بوجوب الارتباط بحبل السماء، لا يعدو أن يكون متجاوزا عن لوازمه، ساكتا عن مقتضيات ادعائه، فالأمة الإسلامية اليوم، يتدلى لها من فوقها سبعون حبلاً وحبل، كل حزب ومذهب يظن أن حبله هو الموثوق بالعروة الوثقى لا انفصام لها، والحال أن حبلاً واحداً فقط أو لا حبل، هو مستمسك بها، والبقية في عرى منفصمة تائهة عن السماء، ولكن الشيطان قد أوغل في ارتفاع حباله علوا لم تعد كل فرقة ترى معه عروتها. والحق المر هو أنها جميعاً ليست في العروة الوثقى وأن حبل العروة لا زال مطوياً ينتظر فواق هذه الأمة من سكرتها ليتدلى.
الأمة الإسلامية اليوم هي أسوأ من أمة إسلام القرن الرابع الهجري، امتنا اليوم أمة جامدة محنطة تجتر القديم وتعيش فيه، أمة تدعو للرجوع للوراء لا لتماس النور، تؤمن بالنص دون سواه، مع أنها غير قادرة على تمييز صحيحه من سقيمه، ثبت عندها الثابت والمتغير، غابت عن الفعل واكتفت بالانفعال، بنت ولا زالت تبني حول نفسها أسواراً من العزلة، ترفض كل جديد مغاير، وتستريب من كل تجديد. أمة مزقتها المذاهب، يكفر بعضها بعضاً، لها فهم جامد للقرآن، متخلفة في مختلف النظم العلمية والثقافية والفلسفية واللغوية والاقتصادية والتعليمية والبحث العلمي، وسائر العلوم والصناعات، مطمئنة للاستبداد وتوارث الحقوق والأهلية. لا تصلح بهذا الحال شريكا في صناعة التقدم فضلاً عن أن تكون رائدة له.
فانظر إلى مأزق العالم في مأزق هذه الأمة، حينما يكون المنقذ نفسه يحتضر تخلفاً، والمنقذ يتفجر نشاطاً، هل يستطيع هذا الأب المقعد أن يبعد ابنه الفتى الفلتان عن مهاوي التهلكة؟