تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

يسكن بباب الأزج في مدرسة بنيت له، مضينا لزيارته، فخرج وقعد بين أصحابه، وختموا القرآن فألقى درسا ما فهمت منه شيئا، وأعجب من ذا أن أصحابه قاموا وأعادوا الدرس، فلعلهم فهموا لإلفهم بكلامه وعبارته، قال ابن النجار: قرأت بخط أبي بكر عبد الله بن نصر بن حمزة التيمي: سمعت الشيخ عبد القادر يقول: بلغت بي الضائقة في الغلاء إلى أن بقيت أياما لا آكل طعاما، بل أتبع المنبوذات، فخرجت يوما إلى الشط، فوجدت قد سبقني الفقراء، فضعفت وعجزت عن التماسك، فدخلت مسجدا وقعدت، وكدت أصافح الموت، ودخل شاب أعجمي ومعه خبز وشواء، وجلس يأكل، فكنت أكاد كلما رفع لقمة أن أفتح فمي، فالتفت فرآني فقال: باسم الله؟ فأبيت، فأقسم علي فأكلت مقصرا، وأخذ يسألني ما شغلك؟ ومن أين أنت؟ فقلت: متفقه من جيلان، قال: وأنا من جيلان، فهل تعرف لي شابا جيلانيا اسمه عبد القادر يعرف بسبط أبي عبد الله الصومعي الزاهد؟ فقلت: أنا هو، فاضطرب لذلك وتغير وجهه وقال: والله يا أخي لقد وصلت إلى بغداد ومعي بقية نفقة لي، فسألت عنك فلم يرشدني أحد، إلى أن نفذت نفقتي، وبقيت بعدها ثلاثة أيام لا أجد ثمن قوتي إلا من مالك، فلما كان هذا اليوم الرابع قلت: قد تجاوزتني ثلاث أيام وحلت لي الميتة، فأخذت من وديعتك ثمن هذا الخبز والشواء، فكل طيبا، فإنما هو لك وأنا ضيفك الآن، فقلت: وما ذاك؟ قال أمك وجهت معي ثمانية دنانير، والله ما خنتك فيها إلى اليوم، فسكنته وطيبت نفسه، ودفعت إليه شيئا منها، قال الجبائي: وقال لي الشيخ عبد القادر: كنت أومر وأنهي في النوم واليقظة، وكان يغلب علي الكلام، ويزدحم على قلبي، إن لم أتكلم به حتى أكاد أختنق ولا أقدر أسكت، وكان يجلس عندي رجلان وثلاثة، ثم تسامع الناس بي وازدحم علي الخلق، حتى صار يحضر مجلسي نحو من سبعين ألفا، وقال: فتشت الأعمال كلها، فما وجدت فيها أفضل من إطعام الطعام، أود لو أن الدنيا بيدي فأطعهما الجياع، كفي مثقوبة لا تضبط شيئا، لو جاءني ألف دينار لم أبيتها، وكان إذا جاءه أحد بذهب يقول: ضعه تحت السجادة، وقال لي: أتمنى أن أكون في الصحارى والبراري كما كنت في الأول، لا أرى الخلق ولا يروني، ثم قال

تسهيل الوصول لفوائد سير أعلام النبلاء · الصفحة ٢٣٩

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

تسهيل الوصول لفوائد سير أعلام النبلاءص ٢٣٩