تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

4 - طبيعة صامدة:

إن طبيعة هذا الدين واضحة لا تحتمل التلبيس. صلبة لا تقبل التميع. والذين يلحدون في هذا الدين يجدون مشقة في تحويله عن طبيعته هذه الواضحة الصلبة .. وهم من أجل ذلك يوجهون إليه جهوداً لا تكل، وحملات لا تنقطع، ويستخدمون في تحريفه عن وجهته، وفي تمييع طبيعته، كل الوسائل وكل الأجهزة وكل التجارب ..

هم يسحقون سحقاً وحشياً كل طلائع البعث والحيوية الصلبة الصامدة في كل مكان على وجه الأرض عن طريق الأوضاع التي يقيمونها ويكفلونها في كل بقاع الأرض، وهم يسلطون المحترفين من علماء هذا الدين عليه يحرفون الكلم عن مواضعه، ويُحلون ما حرّم الله، ويميعون ما شرعه، ويباركون الفجور والفاحشة، ويرفعون عليها رايات الدين وعناوينه.

وهم يزحلقون المخدوعين في الحضارات المادية، المأخوذين بنظرياتها وأوضاعها، ليحاولوا زحلقة الإسلام في التشبه بهذه النظريات وهذه الأوضاع، ورفع شعاراتها، أو الاقتباس من نظرياتها وشرائعها ومناهجها. وهم يصورون الإسلام الذي يحكم الحياة حادثاً تاريخياً مضى، ولا يمكن إعادته، ويشيدون بعظمة هذا الماضي، ليخدروا مشاعر المسلمين، ثم ليقولوا لهم في ظل هذا التخدير. إن الإسلام اليوم يجب أن يعيش في نفوس أهله عقيدة وعبادة، لا شريعة ونظاماً، وحسبه وحسبهم ذلك المجد التاريخي القديم. هذا وإلا فإن على هذا الدين أن يتطور فيصبح محكوماً بواقع البشر، يبصم لهم على كل ما يقدمونه له من تصورات وقوانين وهم يضعون للأوضاع التي يقيمونها في العالم الذي كان إسلامياً –نظريات تأخذ شكل العقيدة والدين. لتحل محل ذلك –الدين القديم. وينزلون لها قرآناً يتلى ويدرس، ليحل محل ذلك القرآن القديم وهم يحاولون تغيير طبيعة المجتمعات. كما يحاولون تغيير طبيعة هذا الدين كوسيلة أخيرة، حتى لا يجد هذا الدين قلوباً تصلح للهداية به فيحولون المجتمعات إلى فتات غارق في وحل الجنس والفاحشة والفجور. مشغول بلقمة العيش لا يجدها إلا بالكد والعسر والجهد، كي لايفيق بعد اللقمة والجنس ليستمع إلى هدى أو يفيء إلى دين.

إنها المعركة الضاربة مع هذا الدين والأمة التي تهدي به وتحاول أن تعدل به (وَمِمَّنْ خَلَقْنَا أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ) .. المعركة التي تستخدم فيها جميع الأسلحة بلا تحرج، وجميع الوسائل بلا حساب، والتي تجند لها القوى والكفايات وأجهزة الإعلام العالمية، والتي تسخر لها الأجهزة والتشكيلات الدولية والتي تكفل من أجلها أوضاعاً ما كانت لتبقى يوماً واحداً لولا هذه الكفالة العالمية. ولكن طبيعة هذا الدين الواضحة الصلبة ما تزال صامدة لهذه المعركة الضارية. والأمة المسلمة القائمة على هذا الحق –وعلى قلة العدد وضعف العدة- ما تزال صامدة لعمليات السحق الوحشية .. والله غالب على أمره.

طريق الدعوة في ظلال القرآن · الصفحة ٨٦

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

طريق الدعوة في ظلال القرآنص ٨٦