تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

1 - الدار الآخرة:

إن قضية البعث والحساب والجزاء في الدار الآخرة من قضايا العقيدة الأساسية التي جاء بها الإسلام، والتي يقوم عليها بناء هذه العقيدة بعد قضية وحدانية الألوهية. والتي لا يقوم هذا الدين –عقيدة وتصوراً وخلقاً وسلوكاً، وشريعة ونظاماً- إلا عليها .. وبها ..

إن هذا الدين الذي أكمله الله، وأتم به نعمته على المؤمنين به، ورضيه لهم ديناً –كما قال لهم في كتابه الكريم- هو منهج للحياة كامل في حقيقته: متكامل متناسق في تكوينه .. (يتكامل) ويتناسق في تصوره الاعتقادي مع قيمه الخلقية مع شرائعه التنظيمية .. وتقوم كلها على قاعدة واحدة من حقيقة الألوهية فيه وحقيقة الحياة الآخرة.

فالحياة في التصور الإسلامي ليست هي هذه الفترة القصيرة التي تمثل عمر الفرد، وليست هي هذه الفترة المحدودة التي تمثل عمر الأمة من الناس، كما أنه ليست هي هذه الفترة المشهودة التي تمثل عمر البشرية في هذه الحياة الدنيا. إن الحياة في التصور الإسلامي تمتد طولاً في الزمان، وتمتد عرضاً في الآفاق، وتمتد عمقاً في العوالم، وتمتد تنوعاً في الحقيقة. عن تلك الفترة التي يراها ويظنها ويتذوقها من يغفلون الحياة الآخرة من حسابهم ولا يؤمنون بها. إن الحياة في التصور الإسلامي تمتد في الزمان، فتشمل هذه الفترة المشهودة –فترة الحياة الدنيا- وفترة الحياة الأخرى التي لا يعلم مداها إلا الله، والتي تعد فترة الحياة الدنيا بالقياس إليه ساعة من نهار.

وتمتد في المكان، فتضيف إلى هذه الأرض التي يعيش عليها البشر، دار أخرى: جنة عرضها كعرض السماوات والأرض، وناراً تسع الكثرة من جميع الأجيال التي عمرت وجه الأرض ملايين الملايين من السنين.

وتمتد في العوالم، فتشمل هذا الوجود المشهود إلى وجوب مغيب لا يعلم حقيقته كلها إلا الله، ولا نعلم نحن عنه إلا ما أخبرنا به الله. وجود يبدأ من لحظة الموت. وينتهي في الدار الآخرة. وعالم الموت وعالم الآخرة كلاهما من غيب الله. وكلاهما يمتد فيه الوجود الإنساني في صور لا يعلمها إلا الله .. وتمتد الحياة في حقيقتها. فتشمل هذا المستوى المعهود في الحياة الدنيا، إلى تلك المستويات الجديدة في الحياة الأخرى .. في الجنة وفي النار سواء. وهي ألوان من الحياة ذات مذاقات ليست من مذاقات هذه الحياة الدنيا .. ولا تساوي الدنيا –بالقياس إليها- جناح بعوضة.

والشخصية الإنسانية في التصور الإسلامي يمتد وجودها في هذه الأبعاد من الزمان، وفي هذه الآفاق من المكان، وفي هذه الأعماق والمستويات من العوالم والحيوات .. ويتسع تصورها للوجود كله، وتصورها للوجود الإنساني، ويتعمق تذوقها للحياة، وتكبر اهتماماتها وتعلقاتها وقيمها، بقدر ذلك الامتداد في الأبعاد والآفاق والأعماق والمستويات .. بينما أولئك الذين لا يؤمنون بالآخرة، يتضاءل تصورهم للوجود الكوني. وتصورهم للوجود الإنساني، وهم يحشرون أنفسهم وتصوراتهم وقيمهم وصراعهم في ذلك الجحر الضيق الصغير الضئيل من هذه الحياة الدنيا .. ومن هذا الاختلاف في التصور يبدأ الاختلاف في القيم، ويبدأ الاختلاف في النظم .. ويتجلى كيف أن هذا الدين منهج حياة متكامل متناسق، وتتبين قيمة الحياة الآخرة في بنائه: تصورا واعتقاداً، وخلقاً وسلوكاً وشريعة ونظاماً .. إن إنساناً يعيش في هذا المدى المتطاول من الزمان والمكان والعوالم والمذاقات، غير إنسان يعيش في ذلك الجحر الضيق، ويصارع الآخرين عليه، بلا انتظار لعوض عما يفوته، ولا جزاء عما يفعله وما يفعل به .. إلا في هذه الأرض ومن هؤلاء الناس.

طريق الدعوة في ظلال القرآن · الصفحة ٢٩٠

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

طريق الدعوة في ظلال القرآنص ٢٩٠