وإن قلب المؤمنين ينبغي أن يكون راسخاً ثابتاً لا تهزمه في الأرض قوة، وهو موصول بقوة الله الغالب على أمره القاهر فوق عباده. وإذا جاز أن تنال هذا القلب هزة وهو يواجه الخطر –فإن هذه الهزة لا يجوز أن تكون هزيمة وفرارا. والآجال بيد الله، فما يجوز أن يولي المؤمن خوفا على الحياة وليس في هذا تكليف للنفس فوق طاقتها. فالمؤمن إنسان يواجه عدوه إنسانا، فهما من هذه الناحية يقفان على أرض واحدة، ثم يمتاز المؤمن بأنه موصول بالقوة الكبرى التي لا غالب لها، ثم إنه إلى الله إن كان حيا، وإلى الله إن كتبت له الشهادة. فهو في كل حالة أقوى من خصمه (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفاً فَلاَ تُوَلُّوهُمُ الأَدْبَارَ، وَمَن يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلاَّ مُتَحَرِّفاً لِّقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزاً إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَاء بِغَضَبٍ مِّنَ اللّهِ وَمَاوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ) .. إن المؤمن رغم كل هذا لا يخشى أحدا من العبيد، فالمؤمن لا يخشى إلا الله (أَتَخْشَوْنَهُمْ فَاللّهُ أَحَقُّ أَن تَخْشَوْهُ إِن كُنتُم مُّؤُمِنِينَ). وإن مشاعر المؤمنين لتثور وهي تستجاش بهذه الآيات القرآنية مع وقائعها الرهيبة وآثارها. فأنتم يا دعاة الإسلام، أنتم ستار قدرته سبحانه وأداة مشيئته (أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تُتْرَكُوا وَلَمَّا يَعْلَمِ اللّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنكُمْ وَلَمْ يَتَّخِذُوا مِن دُونِ اللّهِ وَلاَ رَسُولِهِ وَلاَ الْمُؤْمِنِينَ وَلِيجَةً وَاللّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ). ويوجد دائما في الصف الإسلامي فئة تجيد المداورة وتنفذ من الأسوار وتتقن استخدام الأعذار، وتدور من خلف الجماعة، وإنه لمن مصلحة العصبة المسلمة أن نهتك الأستار فيمتاز المكافحون المخلصون، ويكشف المداورون .. وهناك الخوف على الأهل .. وهي حقيقة عميقة في الحياة البشرية. فالله يمس وشائج متشابكة دقيقة في التركيب العاطفي وفي ملابسات الحياة سواء (إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ وَاللَّهُ عِندَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ). وكثيراً ما يكون الأهل دافعاً للتقصير في تبعات الإيمان اتقاء للمتاعب التي تحيط بهم ولو قام المؤمن بواجبه فلقي ما يلقاه المجاهد في سبيل الله يتعرض لخسارة الكثير وتضحية الكثير. كما يتعرض هو وأهله للعنت. قد يتحمل العنت في نفسه، ولا يحتمله في زوجه وولده، فيبخل ويجبن ليوفر لهم الأمن والفرار أو المتاع والمال، فيكونون عدوا له لأنهم صدوه عن الخير وعوقوه عن تحقيق غاية وجوده الإنساني العليا، كما أنهم قد يقفون له في الطريق يمنعونه من النهوض بواجبه اتقاء لما يصيبهم من جرائه أو لأنهم قد يكونون في طريق غير طريقه، ويعجز هو عن المفاصلة بينه وبينهم والتجرد لله. لذلك اقتضت التحذير من الله لإثارة اليقظة في قلوب الذين آمنوا والحذر من تسلل هذه المشاعر وضغط هذه المؤثرات.
طريق الدعوة في ظلال القرآن · الصفحة ٢٠٨
النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.
طريق الدعوة في ظلال القرآنص ٢٠٨
إعدادات القراءة
حجم الخط
تباعد الأسطر
الخط
عرض النص
الألوان
الحركات
الحواشي