تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

2 - الخوف:

إن العقيدة هي كل شيء في نفوس أصحابها، ليس لهم من إرَب في الدنيا غيرها، وليس لهم من غاية في حياتهم من سواها. عقيدة يعيشون لها وحدها فلا يبقى لهم في أنفسهم شيء بعدها. ولا يستبقون هم لأنفسهم بقية لأنفسهم لا يبذلونها لها، ولا يقدمونها فداها .. إنها صورة رائعة هائلة لهذه العقيدة التي تعلن ميلاد القوة الحقيقية الكبيرة في النفوس، المعلقة بالله. فهي لا تخشى إلا الله، لأنه رب كل شيء، ولا تخشى الناس لأن الله رب الناس: (الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَاناً وَقَالُوا حَسْبُنَا اللّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ) .. والشيطان هو الذي يضخم من شأن أوليائه، ويلبسهم لباس القوة والقدرة. ويوقع في القلوب أنهم ذوو حول وطول .. وأنهم يملكون النفع والضر، ليحقق بهم الشر في الأرض والفساد، وليخضع لهم الرقاب ويطوع لهم القلوب. فلا يرتفع في وجوههم صوت بالإنكار، ولا يفكر أحد في الانتفاض عليهم ودفعهم عن الشر والفساد .. إنه الشيطان (إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءهُ فَلاَ تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ).

والشيطان صاحب مصلحة في أن ينتفش الباطل وأن يتضخم الشر، وأن يتبدى قويا قادرا قاهرا بطاشا جبارا، لا تقف في وجهه معارضة ولا يصمد له مدافع ولا يغلبه من المعارضين غالب. الشيطان صاحب مصلحة في أن يبدو الأمر هكذا. فتحت ستار الخوف والرهبة، وفي ظل الإرهاب والبطش بفعل أولياؤه في الأرض ما يقر عينه. يقلبون المعروف منكرا، والمنكر معروفا، وينشرون الفساد والباطل والضلال. ويخفتون صوت الحق والرشد والعدل ويقيمون أنفسهم آلهة في الأرض تحمي الشر وتقتل الخير .. دون أن يجرؤ أحد على مناهضتهم والوقوف في وجههم ومطاردتهم وطردهم من مقام القيادة .. بل دون أن يجرؤ أحد على تزييف الباطل الذي يروجون له، وجلاء الحق الذي يطمسونه .. والشيطان ماكر خادع غادر يختفي وراءه أوليائه. وينشر الخوف منهم في صدور الذين لا يحتاطون لوسوسته .. ومن هنا يكشفه الله ويوقفه عاريا، لا يستره ثوب من كيده ومكره. ويعرف المؤمنين الحقيقية: حقيقة مكره ووسوسته ليكونوا منها على حذر. فلا يرهبوا أولياء الشيطان ولا يخافوهم. فهم وهو. أضعف من أن يخافهم مؤمن يركن إلى ربه ويستند إلى قوته ..

إن القوة الوحيدة التي تُخشى وتخاف، هي القوة التي تملك النفع والضر، هي قوة الله وهي القوة التي يخشاها المؤمنون بالله. وهم حين يخشونها وحدها أقوى الأقوياء. فلا تقف لهم في الأرض. لا قوة الشيطان ولا قوة أولياء الشيطان (فَلاَ تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ) (فَلاَ تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِي) .. وإن القرآن نزل ليضع الموازين الحقيقية للقوى والقيم .. لقد قرر أن هناك قوة واحدة في هذا الوجود هي قوة الله. وإن هناك قيمة واحدة في هذا الكون هي قيمة الإيمان .. فمن كانت قوة الله معه فلا خوف عليه. ولو كان مُجردا من كل مظاهر القوة. ومن كانت قوة الله عليه فلا أمن له ولا طمأنينة. ولو ساندته جميع القوى. ومن كانت له قيمة الإيمان فله الخير كله، ومن فقد هذه القيمة فليس بنافعه شيء أصلا.

طريق الدعوة في ظلال القرآن · الصفحة ٢٠٥

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

طريق الدعوة في ظلال القرآنص ٢٠٥