فصفوة ما تقدَّم أنَّ الإحصاء لا يعني عدَّ الشيء فحسب، بل عدُّه وتحصيله والإحاطة به، وهذا هو معنى الإحصاء، أمَّا الأوجه التي نُسبتْ إليه: الحفظ، والكتابة، والعلم فهي من لوازم هذا المعني، فتحصيل الشيء بعدِّه والإحاطة به يستلزم حفظه، وكتابته، والعلم به، أي: هذه الأمور مما يقتضيه معنى الإحصاء، أمَّا جعل الإحصاء بمعنى الشكر في قوله تعالى: (وَإِن تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللّهِ لاَ تُحْصُوهَا) ﴿النحل: 18﴾ (إبراهيم: 34} فهو وجه دخيل مُقحَم فيه، والدليل على ذلك أنَّ المفسرين لم يعينوا هذا المعنى، فقد قال الطبري في تفسير هذه الآية: ((يقول تعالى ذكره: وإن تعدوا أيها الناس نعمة الله التي أنعمها عليكم لا تطيقوا إحصاءها والقيام بشكرها، إلاَّ بعون الله لكم عليها)) (1) فقوله: لا تطيقوا إحصاءها، يعني: لا تطيقوا عدَّها، والعبد لا يستطيع شكر نعمة واحدة، فالمراد الإحصاء من دون الشكر، وقال الواحدي: ((أي: لا تأتوا على جميعها بالعدد لكثرتها، قال الكلبي: لا تحفظوها، وقال أبو العالية: لا تطيقون عدَّها)) (2) وقال التبريزي: ((أي: تروموا عدَّها لا تطيقوا عدَّها لكثرتها)) (3) وقال الزمخشري: ((لا تحصوها: لا تحصروها، ولا تطيقوا عدَّها وبلوغ آخرها، هذا إذا أرادوا أن يعدُّوها على الإجمال، وأمَّا التفصيل فلا يقدر عليه ولا يعلمه إلاَّ الله)) (4) وقال ابن عطية: ((أي: لكثرتها وعظمها في الحواس والقوى والإيجاد بعد العدم
(1) جامع البيان 13/ 269.
(2) الوسيط في تفسير القرآن المجيد 3/ 33.
(3) ملخص إعراب القرآن ص 104.
(4) الكشاف 2/ 536.