يعلمنا الشجاعة والإقدام، فما بال الجبن والخوّر والضعف قد سيطر على هذه الأمة؟!
حينما استمسكوا بفريضة الجهاد؛ طويت لهم الأرض طوياً، وفتحوا أعظم قارتين وقتها - أفريقيا وآسيا - وملكوا مفاتيح البحار، فلما تركوا الجهاد؛ أورثهم الله ذلاً، لا ينزعه عنهم، وأقبلت عليهم الأمم، واستعمروهم، وأخرجوهم من الأندلس، كما فتتوا الخلافة الإسلامية العباسية وما بعدها ... كل ذلك لأنهم تركوا الجهاد في سبيل الله.
والقرآن يُنذر ويُحذر ويُعاتب ويُوبخ بقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انفِرُوا فِي سَبِيلِ اللّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الأَرْضِ﴾، ما لكم؟! ما الذي حدث لكم؟! ما الذي نزل بكم؟! ما الذي أصابكم؟! مالكم إذا قيل لكم؛ جاهدوا في سبيل الله تثاقلتم إلى الأرض وارتميتم إلى الأرض؟ كأنكم الثقل الشديد الذي لا يريد أن يفارق الأرض، وكأنكم الصخر والحجر الكبير الذي كلما رفعه الرافعون إلى أعلى نزل إلى الأرض بعنف وشدة! ﴿اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الأَرْضِ﴾.
ويسوق القرآن استفهام التوبيخ والتقريع؛ ﴿أَرَضِيتُم بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الآخِرَةِ إِلاَّ قَلِيلٌ﴾، ما الذي دفعكم إلى ترك الجهاد؟ رضاكم بالدنيا واستمتاعكم بها وترككم للآخرة وانصرافكم عنها؟! مع أن الكل يعلم أن متاع الأخرى دائم باق، ومتاع الدنيا قليل زائل؛ ﴿بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا * وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾، ﴿مَا عِندَكُمْ يَنفَدُ وَمَا عِندَ اللّهِ بَاقٍ﴾، فـ ﴿مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انفِرُوا فِي سَبِيلِ اللّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الأَرْضِ﴾؟
إن الذي يترك الجهاد في سبيل الله؛ مرتكب كبيرة من الكبائر، لا يتوب عنها إلا إذا قام بهذه الفريضة، وهو إذا مات؛ مات على شعبة من شعب النفاق (1) ... فاحذروا على أنفسكم، وخافوا الله وراقبوه، خافوا أن تموتوا على شعبة من شعب النفاق، خافوا أن تموتوا على كبيرة من الكبائر، خافوا أن تساهموا في إيراث الذلة والمهانة والحقارة لهذا الأمة؛ حينما تتركوا فريضة الجهاد.
ثم يشتد القرآن بعد التوبيخ والتأنيب إلى طريق التهديد والوعيد: ﴿إِلاَّ تَنفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَاباً أَلِيماً وَيَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ وَلاَ تَضُرُّوهُ شَيْئاً وَاللّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾، إلا تجاهدوا في سبيل الله؛ يعذبكم عذاباً أليماً، وليس العذاب في الآخرة فقط، بل عذاب الدنيا عاجل وسريع، عذاب الدنيا الذي وقع فيه المسلمون وأصبحت مشاكلهم كثيرة ومعقدة؛ مشاكل في الغذاء والدواء والكساء والمساكن والمواصلات، ماذا بقي في حياتهم لا مشاكل فيه؟!
(1) قال صلى الله عليه وسلم: (من مات ولم يغزو أو لم يحدث نفسه بالغزو؛ مات على شعبة من النفاق) رواه مسلم.