تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

إن حب الدنيا قد سيطر على نفوسنا، والإخلاد إلى الأرض، واتباع الهوى والركون إلى العاجلة وحب السلامة وحب الكسب والنجاة، كل ذلكم من خصال المنافقين واليهود؛ قد زحف إلى قلوب المسلمين ... اليهود [الذين] عرفنا القرآن صفاتهم؛ ﴿فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ * وَلَن يَتَمَنَّوْهُ أَبَداً بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ﴾، أصبحنا لا نتمنى الموت، ونكره لقاء الله، فيكره الله لقاء من لم يحب لقائه، وقعنا في كل ذلك، كرهنا الموت وأحببنا الدنيا، وأدبرنا عن الآجلة وأقبلنا على العاجلة، ﴿إِنَّ هَؤُلَاء يُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ وَيَذَرُونَ وَرَاءهُمْ يَوْماً ثَقِيلاً﴾.

فما بال هذه الأمة قد زحف إليها من صفات اليهود وخصال المنافقين الذين كانوا يستأذنون ويعتذرون؛ أصبح المسلمون لا يحبون الجهاد خوفاً من الموت، والقرآن يبين لنا أن الجهاد في سبيل الله وإلقاء النفس في أُتون المعارك لا يقلل العمر ولا ينقص من الأجل، وأن القعود والجبن والتخاذل لا يزيد في العمر ولا يمد في الأجل، ﴿قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلَاقِيكُمْ ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾، ﴿قُل لَّن يَنفَعَكُمُ الْفِرَارُ إِن فَرَرْتُم مِّنَ الْمَوْتِ أَوِ الْقَتْلِ وَإِذاً لَّا تُمَتَّعُونَ إِلَّا قَلِيلاً﴾، ﴿قُلْ مَن ذَا الَّذِي يَعْصِمُكُم مِّنَ اللَّهِ إِنْ أَرَادَ بِكُمْ سُوءاً أَوْ أَرَادَ بِكُمْ رَحْمَةً وَلَا يَجِدُونَ لَهُم مِّن دُونِ اللَّهِ وَلِيّاً وَلَا نَصِيراً﴾؛ تبين الآيات أن الآجال بيد الله والأعمار - بإذن الله - لا ينقص منها ذهاب إلى المعركة ولا إقبال على الجهاد؛ ﴿وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلاَّ بِإِذْنِ الله كِتَاباً مُّؤَجَّلاً﴾.

إن الجبن والخور والضعف لا يزيد في العمر شيئاً، فرب قاعد متخاذل؛ يموت قبل من يدخل إلى ميادين الجهاد، يموت على فراشه موتة الضعيف الجبان، فلا نامت أعين الجبناء.

أما المجاهد في سبيل الله؛ فإنه يموت في وقته المحدد، أو يقتل على أجله المحتوم، لكنه يموت موتة الشرف والكرامة والرفعة، يموت فتتلقاه الحور العين وإلى الجنة مأواه.

وهكذا يعلمنا رسول الله صلى الله عليه وسلم الشجاعة والإقدام، فكما يقول علي كرم الله وجهه: (كنا إذا احمرت الحدق وأشتد البأس؛ أتقينا برسول الله، فما يكون أحدٌ أقرب إلى العدو منه) (1).

هكذا شجاعة النبي الحبيب، وهو يقول وقد فر أصحابه عنه:

أنا النبي لا كذب أنا ابن عبد المطلب (2)

(1) رواه الإمام أحمد.

(2) متفق عليه، وذلك يوم حنين.

تجارة الجهاد · الصفحة ٤

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

تجارة الجهادص ٤