كذلك يبين لنا شفيعنا صلى الله عليه وسلم ماذا في الجنة من درجات، يبين؛ (إن في الجنة مئة درجة، ما بين كل درجتين كما بين السماء والأرض، أعدها الله للمجاهدين في سبيله، فإذا سألتم الله فاسألوه الفردوس الأعلى، فمنه تتفجر أنهار الجنة، وفوقه عرش الرحمن) (1).
هذه الدرجات للمجاهدين، فإذا سألتم الله فاسألوه الفردوس الأعلى، لكن لا تسألوه وأنتم قعود! متكاسلون عن الجهاد! إنما سلوه وأنتم مقبلون على الجهاد، غير مدبرين، "لا يقاتلهم اليوم رجل فيقتل صابراً محتسباً، مقبلاً غير مدبر، إلا أدخله الله الجنة" ... سلوه وأنتم سائرون على الجهاد أو مقبلون أو مجاهدون في إحدى ميادين الجهاد.
وإذا رغّب الإسلام في فعل الجهاد، فقد رهب من تركه، وأعد العذاب الأليم وعقاب الفاسقين لمن ترك الجهاد في سبيل الله، ونجد هذه العقوبات قد نزلت بالأمة حينما تخلت عن هذه الفريضة وابتعدت عنها، فما ترك قوم الجهاد إلا أورثهم الله ذلاً، لا ينزعه عنهم حتى يرجعوا إلى الجهاد في سبيل الله - كما أخبر رسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم -
وهذا الذل الذي يقبل على الأمة من كل مكان، وتحيط بها أعداءها، ويقبلون عليهم، ويتداعون عليهم كما تتداعى الأكلة على قصعتها، فيسألون: (أو من قلة نحن يومئذ يا رسول الله؟!)، قال: (لا! بل أنتم يومئذ كثير، ولكنكم غثاء كغثاء السيل) (2).
نحن ألف مليون وأكثر؛ غثاء كغثاء السيل، لو كنا حشرات لأبدنا أعدائنا! لو كنا ذباباً لأفسدنا الحياة على أعدائنا!
وهذا الرعب الذي كان يُلقى في قلوب الكافرين بالنسبة لمعاداتهم للمسلين ... هذا الرعب قد أُزيل ... كان الرعب يُلقى في قلوب الذين كفروا كما قال تعالى: ﴿سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرَّعْبَ﴾، ﴿سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ بِمَا أَشْرَكُوا بِاللّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَاناً وَمَاوَاهُمُ النَّارُ وَبِئْسَ مَثْوَى الظَّالِمِينَ﴾؛ هذا الرعب قد نُزع من قلوب الكفار، والمهابة منا قد أُخرجت من نفوسهم.
(ولينزعن الله من قلوب أعدائكم المهابة منكم، وليقذفن في قلوبكم الوهن)، قالوا: (وما الوهن يا رسول الله؟)، قال: (حب الدنيا وكراهية الموت) (3).
(1) رواه البخاري.
(2) رواه أبو داود.
(3) رواه أبو داود.