الحديث الثاني
عَنْ جَابِرِ بن عَبْدِ الله رضي الله عنهما: أنهُ كَانَ يَسِيُر عَلَى جَمَل فَأعْيَا، فأرَادَ أن يُسَيبهُ.
قال: فَلَحَقَني النبي ﷺ فَدعَا لي، وَضَرَبهُ فَسارَ سيْرًا لَم يَسِرْ مِثلَهُ قَطْ، فقالَ: " بعْنِيهَ بأوقِية " قُلْتُ: لا. ثم قال: " بعْنِيه " فَبِعْتُهُ بأوقِيةٍ، وَاسْتَثْنَيْتُ حُمْلانَهُ إلَى أهلي.
فَلَما بَلَغْتُ، أتَيتهُ بَالجَمَلِ، فَنَقَدَني ثمَنَهُ. ثُم رَجَعْتُ. فَأرْسل في أثرِي فَقَالَ: " أتراَني مَاكَستكَ لآخُذَ جَمَلَكَ؟ خذْ جَمَلَكَ وَدرَاهِمَكَ، فهُوَ لَكَ".
الغريب:
فأعيا: أعيا الرجل أو البعير، إذا تعب وَكَل من الَمشي، يستعمل لازما ومتعديًا، تقول: أعيا الرجل، وأعياه الله.
أن يسيبه: أن يطلقه، ليذهب على وجهه.
حُمْلانه: بضم الحاء وسكون الميم، أي حمله البائع.
أتراني: بضم التاء، أي أتظنني.
ماكستك: المماكسة: - المكالمة في البيع والشراء، لطلب الزيادة، أو النقص في الثمن.
المعنى الإجمالي:
كان جابر بن عبد الله رضي الله عنهما مع النبي ﷺ في إحدى غزواته، وكان راكبًا على جمل قد هزل فأعيا عن السير ومسايرة الجيش حتى إنه أراد أن يطلقه فيذهب لوجهه، لعدم نفعه. وكان النبي ﷺ من رأفته بأصحابه وبأمته- يمشى في مؤخرة الجيوش، رِفْقًا بالضعيف، والعاجز، والمنقطع. فلحق جابرًا وهو على بعيره الهزيل، فدعا له وضرب جمله، فصار ضربه الكريم الرحيم قوةً وعونًا للجمل العاجز، فسار سيرًا لم يسر مثله. فأراد ﷺ من كرم خلقه ولطفه- تطييب نفس جابر ومجاذبته الحديث المعين على قطع السفر، فقال: بعنيه بأوقية.
فطمع جابر رضي الله عنه بفضل الله وعلم أن لا نقص على دينه من الامتناع من بيعه للنبي ﷺ لأن هذا لم يدخل في الطاعة الواجبة، إذ لم يكن الأمر على وجه الإلزام. ومع هذا فإن النبي ﷺ أعاد عليه الطلب فباعه إياه بالأوقية واشترط أن يركبه إلى أهله في المدينة، فقبل ﷺ شرطه. فلما
وصلوا، أتاه بالجمل، وأعطاه النبي ﷺ الثمن. فلما رجع أرسل في أثره فرجع إليه وقال له: أتظنني بايعتك طمعا في جملك لآخذه منك؟ خذ جملك ودراهمك فهما لك. وليس هذا بغريب على كرمه وخلقه ولطفه، فله المواقف العظيمة ﷺ.