الديمقراطية اسم لا حقيقة له
د جعفر شيخ إدريس
( لم تجد الديمقراطية في تاريخها كله رواجاً مثلما وجدت في عصرنا هذا : لقد كان معظم المفكرين الغربيين منذ عهد اليونان كثيري النقد لها ، بل ورفضها ، حتى إن أحد الفلاسفة البريطانيين المعاصرين ليقول : إذا حكمنا على الديمقراطية حكماً ديمقراطياً بعدد من معها وعدد من ضدها من المفكرين لكانت هي الخاسرة .
أما في عصرنا فإن الدعاية الواسعة لها أعمت كثيراً من الناس . لا سيما في بلادنا ـ عن عيوبها التي يعرفها منظورها الغربيون ـ بل إن المفتونين بها المروجين لها صاروا يصورونهم كالبلسم الشافي لكل مشكلات المجتمع السياسية وغير السياسية . لذلك رأيت أن أشارك في تصحيح هذه الصورة الكاذبة ابتداء بهذا المقال الذي أرجو أن يكون فاتحة لكتاب كامل عن مشكلات الديمقراطية والبدائل الإسلامية .
أول ما يؤخذ علي الديمقراطية كونها اسماً لا حقيقة له ، أعني أنه إذا وصف لك نظام سياسي بأنه دكتاتوري أو ديني مثلاً تصورت ما المقصود بهذه الوصف ، وكانت صورتك الذهنية هذه مطابقة للواقع الذي يوصف بهذا الوصف . ولكن ليس كذلك الآمر بالنسبة للديمقراطية ، إذا إن الديمقراطية كما يدل عليها اسمها ، وكما يعرفها كبار منريها وساستها هي حكم الشعب . لكن الصورة الواقعية لما يسمي بالديمقراطية ـ مهما كانت حسناتها أو سيئاتها ـ ليست هي حكم الشعب :
أولا : لأن مفهوم الشعب نفسه مفهوم غامض كما يرى بعض كبار منظري الديمقراطية . استمع إلى الأستاذ ( رو برت دال ) الذي ربما كان صاحب أشمل بحث أمريكي عن الديمقراطية ، وهو الذي وصف في غلاف كتابه هذا ننقل عنه بأنه " من أبرز منظري زماننا السياسيين " وأنه نال على هذا الكتاب جائزتين كبيرتين :
" إن دعاة الديمقراطية ـ بما في ذلك الفلاسفة السياسيون ـ يتميزون بكونهم يفترضون مقدماً أن هناك شعباً موجوداً فعلاً ، إنهم يعدون وجوده واقعياُ صنعه التاريخ ، لكن هذه الواقعية أمر مشكوك فيه ، كما كان مشكوكاً فيه في الولايات المتحدة عام 1861 م عندما حسم الأمر بالعنف لا بالرضي ولا بالإجماع . إن الافتراض بأن هناك شعباَ موجوداً ، وما يبنى على هذا الافتراض من لوازم تصير جزءاً من النظرية الديمقراطية الخيالية "
الذين أسسوا النظام الديمقراطي كانوا فئة قليلة من الناس هم الذين قرروا من الذي يستحق أن يدخل في مسمي الشعب الحاكم ومن الذي لا يستحق .