ومن الأدلة أيضاً : أن المتتبع لقضاء الصحابة وفتاويهم يجد أن الحق معهم، وأنه لا يخرج عن دائرتهم ، وهذا يعرفه من نظر في كلامهم وذلك لأنهم سادات الأمة وقدوة الأئمة وأعلم الناس بكتاب الله جل وعلا وسنة نبيه - صلى الله عليه وسلم - وقد شاهدوا التنزيل وعرفوا التأويل ، ونسبة من بعدهم في العلم كنسبتهم إليهم في الفضل والدين ، فغلبة الظن مع ذلك بأن الصواب في جهتهم والحق في جانبهم ، بل هو من أقوى الظنون وهو أقوى من الظن المستفاد من كثير من الأقيسة ، هذا ما لا يفتري فيه عاقل منصف ، وكان الرأي الذي يوافق رأيهم هو الرأي السداد الذي لا رأي سواه ، فرأيهم في الدين خير من رأي من بعدهم ، وموافقتهم أحب إلى المنصفين من موافقة غيرهم ، وتطرق الخطأ عليهم ضعيف لا ينظر إليه فكان مقتضى ذلك موافقتهم واتباعهم في هديهم القولي والعملي ، فإن الخير كل الخير في اتباع هديهم واقتفاء أثرهم . والله أعلم .
فهذه بعض الأدلة الدالة على أن قول الصحابي حجة وهو من الحجج الظنية ، وقد تقرر لنا سابقاً أن غلبة الظن كافية في التعبد .
إذا علمت هذا فاعلم – رحمك الله تعالى – أن أقوال الصحابة ليست على درجة واحدة ، وذلك بمقتضى الأدلة ، فإذا اختلفوا وكان الخلفاء الأربعة في شقٍ والآخرون في شقٍ فلاشك أن الأقرب للصواب هو ما اتفق عليه الخلفاء الأربعة ، لا أقول لأنه إجماع أو حجة ، وإنما هو أقرب للصواب والحق من قول غيرهم وذلك لحديث العرباض بن سارية مرفوعاً ((فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين بعدي تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ)) الحديث ، فهذا يفيد أن سنتهم أولى بالأخذ وأحق بالتمسك من سنة غيرهم .