تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ومن الأدلة على ذلك الأصل أيضاً : في حديث صفة غسل النبي - صلى الله عليه وسلم - من الجنابة قالت عائشة رضي الله عنها : " ثم يخلل بيديه شعره حتى إذا ظن أنه قد أروى بشرته أفاض عليه الماء ثلاثاً ثم غسل سائر جسده " متفق عليه ، فهذا فيه دليل على الاكتفاء في إرواء بشرة الشعر بغلبة الظن ، مما يدل على جواز العمل بها وأنها كافية في التعبد ، وأما حديث أبي هريرة " إن تحت كل شعرةٍ جنابة فاغسلوا الشعر وأنقوا البشر " فهو حديث ضعيف لا يعول عليه ، بل يكفي غلبة الظن بأن الماء وصل إلى جميع بشرة الشعر الكثيف كما أفاده ذلك الحديث . والله أعلم .

فهذه الأدلة مع ما سيأتي في قيد الفروع تفيد ما قررته هذه القاعدة المهمة من أنه يكفي غلبة الظن في التعبد ، فمن غلب على ظنه شيئاً عمل به ، وهذا هو الذي يطالب به شرعاً ، وإن كان له طريق إلى اليقين فلا شك أنه الأوجب ، فإن لم يكن له طريق إلا ذلك فيكفيه غلبة الظن ، وإليك الفروع بأدلتها حتى يتضح لك مجال تطبيق هذه القاعدة فأقول :

منها : قد أثبتت الأدلة أن استقبال القبلة واجب والمراد بالقبلة عين الكعبة ، لكن الآفاقي البعيد عن مكة كأهل المدينة ونجد وما أبعد من ذلك لو كلفوا إصابة عين الكعبة لكان في ذلك من المشقة والحرج ما يفضي إلى التعقيد المنفي شرعاً ، فراعت الشريعة ذلك فأجازت لهم العمل بغالب الظن ففي حديث أبي هريرة قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : (( ما بين المشرق والمغرب قبلة )) رواه الترمذي وقواه البخاري ، فتحولت القبلة من إصابة العين إلى إصابة الجهة فإذا صلى الآفاقي إلى جهة الكعبة كفاه ذلك ، لأنه يغلب على الظن بإصابة جهتها إصابة عينها وغلبة الظن كافية في التعبد .

تحرير القواعد ومجمع الفرائد · الصفحة ٤٦٤

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

تحرير القواعد ومجمع الفرائدص ٤٦٤