ومن الأدلة على ذلك : في الصحيحين من حديث ابن مسعود - رضي الله عنه - في صلاته - صلى الله عليه وسلم - خمساً فلما سلم قيل له أحدث في الصلاة شيء ؟ قال وما ذاك ، قالوا : صليت كذا وكذا ، فثنى رجليه واستقبل القبلة وسجد سجدتين ثم سلم ثم أقبل على الناس بوجهه فقال : ((أيها الناس إنما أنا بشر مثلكم أنسى كما تنسون فإذا نسيت فذكروني ، وإذا شك أحدكم فليتحر الصواب وليتم عليه ثم يسلم ثم يسجد سجدتين ثم يسلم)) فالنبي - صلى الله عليه وسلم - أمر الشاك في الصلاة أن يتحر الصواب ثم يبني عليه أي يعمل به ، وتحري الصواب هو بعينه البناء على غلبة الظن ، فالنبي عليه الصلاة والسلام أمر بالعمل بغلبة الظن ولا يأمر بالعمل بها إلا لأن العمل بها صحيح مجزئ مبرئ الذمة من عهدة التكليف ، فدل ذلك على أن العمل بغلبة الظن كافٍ في التعبد .
ومن الأدلة أيضاً : قوله - صلى الله عليه وسلم - : (( إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران وإذا اجتهد فأخطأ فله أجر )) متفق عليه ، والاجتهاد عند الحاكم يكون بالنظر في قرائن الأحوال والشهادات والإقرار وملابسات القضية ونظره في ذلك يوصله إلى غلبة الظن ، فإن أصاب في ذلك فله أجران أجر على الإصابة وأجر على الجهد الذي بذله ، وإن أخطأ في الحكم بعد استفراغ الجهد فله أجر واحد على بذل الجهد فقط ، فأجر في الحالتين جميعاً على بذل الجهد مما يدل على أن عمل الحاكم بغلبة الظن جائز إذ لا طريق للقطع في كل قضية ، والدليل على جواز حكمه بمجرد غلبة الظن أنه أجر على ذلك ، والأجر لا يكون إلا على فعل طاعة فدل ذلك على أن العمل بغلبة الظن كافٍ في التعبد لأن الحكم بين الناس من أجَلِّ أنواع القرب . والله أعلم .