أما أمور الفقه فإن منها ما يعلم يقيناً ومنها ما يكفي فيه غلبة الظن ، وهي المرتبة الثانية من مراتب الإدراك أعني غلبة الظن وعرفها أهل العلم بأنها إدراك الشيء مع احتمال غيره ، فإذا غلب على ظنك شيء فاعمل به ، فإنه كافٍ في التعبد ، فإنه في أمور العبادات الفقهية لا يطلب اليقين في كل مسألة منها لأن هذا متعذر جداً ، فإن غالب الفقه مبني على الظنون ولذلك كثر الخلاف فيه بين أهل العلم ، فغالبه مبني على أخبار الآحاد أو العمومات أو الجمع بين المتعارضات بتخصيص العموم وتقييد المطلق وهكذا ، وكل ذلك لا قطع فيه وإنما هو غلبة الظن ، لكنه ليس هو الظن المبني على الشهوات والتخرص وما تهوى الأنفس الذي ذمه الله تعالى في كتابه ، بل هو الظن المبني على النظر في الأدلة ومقارنة الحجاج ببعضها ، وإرادة الحق ، ومثل هذا مأمور به ، كما ستراه في الأدلة إن شاء الله تعالى ، فإذا نظرت في الأدلة وغلب على ظنك صحة شيءٍ منها فاعمل به ولا تنتظر حتى تصل بالنظر لمرتبة اليقين ، بل إذا بلغت مرتبة الظن الغالب فاعمل فإن العمل بغلبة الظن في أمور الفقه كافٍ في التعبد ، لكن عليك إمعان النظر في الأدلة والنظر في أقوال أهل العلم وتمحيص حجاجهم فإذا ترجح لك شيء فاعمل به تقبل الله منا ومنك ثم اعلم أن الأدلة على هذه القاعدة كثيرة شهيرة نذكر طرفاً منها فأقول :
من الأدلة على ذلك : جميع الآيات التي فيها أن الله لا يكلف نفساً إلا وسعها وأنه يريد بنا اليسر لا العسر والأمر بتقواه ما استطعنا كل ذلك من أدلة هذه القاعدة لأنه إذا تعذر الأصل فلا نكلف ولا نستطيع إلا البدل وهو غلبة الظن ومثلها حديث (( إذا أمرتكم بأمرٍ فأتوا منه ما استطعتم )) متفق عليه .