ومنها : تفسير المزارعة ، فإن الأحاديث فيها مختلفة فأحاديث تجيزها وأحاديث تمنع منها ، وقد استوفاها العلامة الإمام الشوكاني في نيل الأوطار ، وأغلب مادة هذه الفروع منه ، فإنه رحمه الله تعالى أصولي فحل وعالم نحرير ، فاستوفى في النيل الأحاديث ومذاهب العلماء فيها وبدراسته ودراسة غيره ترجح عندي والله أعلم أن المزارعة التي نهى عنها إنما هي المزارعة الفاسدة الظالمة التي تشتمل على غررٍ وجهالة ، وأما المزارعة بجزءٍ معلوم مشاع أو بالذهب والفضة فإنه لم ينه عنه وهذا القول هو الذي يجمع بن الأدلة جميعها وذلك بحمل مطلقها على مقيدها ، والذي أيد هذا الجمع هو أن رافع بن خديج وهو الذي روى حديث النهي عن المزارعة فسر هو هذا النهي بقوله " إنما كان الناس يؤاجرون على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بما على الماذيانات وأقبال الجداول وأشياء من الزرع فيهلك هذا ويسلم هذا ويسلم هذا ويهلك هذا ، ولم يكن للناس كري إلا هذا فلذلك زجر عنه فأما شيء معلوم مضمون فلا بأس به " رواه مسلم ، فقصر النهي على المزارعة التي فيها غرر وجهالة أما إذا كان نصيب العامل مضموناً معلوماً فلا بأس به ، وهذا التفسير من راوي الحديث وهو أدرى بما روى وأعلم بما أخبر ، وقد تقرر أن تفسير الراوي مقدم على غيره ما لم يخالف ظاهر الحديث ،واختار هذا القول شيخ الإسلام أبي العباس وتلميذه ابن القيم رحم الله الجميع رحمة واسعة والله أعلى وأعلم .
ولعلنا بهذه الفروع العشرة قد أوضحنا لك كيف تخرج الفروع على هذه القاعدة ، وإني لم أر شيئاً أنفع من تعويد النفس على ذلك التخريج ، وقد أعطيتك مفتاحه بعشرة فروع فقهية فابحث أنت عن فروعٍ أخرى لم تذكر وجرب نفسك فيها فإن هذا هو طريق العلم والله أعلى وأعلم .
القاعدة الثانية والثلاثون
العمل بغلبة الظن في العبادات كافٍ في التعبد