وبيان ذلك : أنه لو قطع ذكر الزاني لتعطلت مصلحته بالكلية ، وأما إذا قطعت يد السارق فإنه له يداً أخرى تحصل بها المصلحة ، ولأن قطع الذكر قطع للنسل المقصود تكثيره شرعاً ، وليس كذلك في قطع يد السارق ، ولأننا لو قطعنا ذكر الزاني فإنه لا تحصل حقيقة الزجر والردع لأن الذكر عضو داخل في حد العورة المأمور بسترها شرعاً فلا يراه الناس فلا يحصل لهم الردع فشرع فيه عقوبة ظاهرة وهي الرجم أو الجلد ، أما قطع يد السارق فإنه يحصل بها الردع والزجر لأنها عضو مكشوف يراها الناس ، ولأن الزاني بإيلاج ذكره في الفرج تحصل له شهوة في جميع بدنه ، بخلاف السرقة فناسب تعميم العذاب على جميع بدن الزاني برجمه أو جلده لينال كل عضوٍ حقه من العذاب ليكون كفارة له ، فإن الحدود رحمة وكفارة ، وأما السرقة فإنه لا تحصل اللذة في وقتها لشيء من البدن ، وإنما هي اليد المباشرة لها مباشرة محضة فعوقبت هي فقط ولم يعاقب سائر البدن لعدم وجود المقتضي للعقوبة .
فانظر إلى هذه الحكم والمصالح فأعطيت كل جريمة ما يناسبها من العقوبات ، فالجرائم مختلفة ولذلك اختلفت عقوباتها ، لأن الشريعة لا تجمع بين المختلفات والله أعلم.
ومنها : ما ذكره بعض الفقهاء من أن الرمي بالكفر أعظم من الرمي بالزنا واللواط لكن عاقبت الشريعة من قذف غيره بالزنا أو اللواط بجلده ثمانين جلدة ولا تقبل له شهادة أبداً لأنه من الفاسقين ، ولم يجعل ذلك على من قذف غيره بالكفر ، فمن قال لأخيه يا كافر فلا حد عليه ، فكيف ذلك مع أن القذف بالكفر أعظم من القذف بغيره ، فكان محض القياس أن يجب الحد على من قذف غيره بالكفر من باب أولى ، فالشريعة هنا فرقت بين المتماثلات .