تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

من ذلك : أن بعض العلماء رحمهم الله تعالى قالوا : إن الوضوء من لحم الإبل على خلاف القياس وتفريق بين متماثلين ، ذلك لأن القاعدة أن اللحوم لا يتوضأ منها وانفرد لحم الإبل بوجوب الوضوء مع أنه من جملة اللحوم ، وكان المناسب أن يعطى الجميع حكماً واحداً فإما أن يتوضأ منها كلها ، وإما أن لا يتوضأ منها كلها ، أما أن يتوضأ من بعضها ولا يتوضأ من بعضها الآخر فهذا فيه تفريق بين المتماثلين .

فنقول : أبداً هذا الكلام ليس بصحيح ، بل إننا نعلم يقيناً أنه لما فرقت الشريعة بين لحم الإبل وسائر اللحوم بوجوب الوضوء منه أن بينهما فرقاً ، لأن الشريعة لا تفرق بين المتماثلات ، فلو كان لحم الإبل كسائر اللحوم لما فرقت الشريعة بينهما ، فلما فرقت بينهما علمنا أنهما من قبيل المختلفات وليس من قبيل المتماثلات .

وبيان ذلك أن يقال : إن الإبل لها خصائص تميزت بها عن سائر الحيوانات .

فمن ذلك تحريم الصلاة في مباركها كما في الحديث ((ولا تصلوا في مبارك الإبل))،

ومن ذلك أنها تكسب رعاتها أخلاقها من الكبر والفخر والخيلاء كما في حديث أبي هريرة عند الشيخين (( الفخر والخيلاء في الفدادين أصحاب الإبل ، والسكينة في أهل الغنم )) ومن ذلك أن طبيعتها شيطانية وقد ثبت في الحديث (( أنها جن خلقت من جن)) والمراد به أن طبيعتها شيطانية .

وقد تقرر في القواعد أن الغاذي شبيه بالمغتدى ، وأن الطبائع تختلف حسناً وقبحاً ورفعةً ودناءةً باختلاف المأكول والمشروب ، ولذلك حرمت الشريعة أكل ما له ناب من السباع ، وما له مخلب من الطير لأنها تكسب آكلها طبيعتها الافتراسية ، فطيب المطعم ونوعيته له تأثير بالغ في الأخلاق والطبائع .

تحرير القواعد ومجمع الفرائد · الصفحة ٤٣٦

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

تحرير القواعد ومجمع الفرائدص ٤٣٦