القاعدة السادسة والثلاثون
الشريعة لا تفرق بين متماثلين ولا تجمع بين مختلفين
وهذه هي قاعدة القياس العامة ، الذي هو أصل من أصول الشريعة ، فإن أصول الشريعة أربعة : الكتاب والسنة والإجماع والقياس ، ومبنى القياس هو الجمع بين المتماثلات ، فكل متماثلين في العلة فإنهما يحكم لهما بحكمٍ واحدٍ ، وإذا فرقت الشريعة بين شيئين فاعلم أنهما مختلفان في العلة ، فالشريعة جاءت بالجمع بين المتماثلات وبالتفريق بين المختلفات ، وليس فيها شيء خلاف القياس ، فإن من تدبر مصادرها ومواردها علم يقيناً أنها من لدن حكيم حميد عليم وأنها لا يأتيها الباطل من بين يديها ولا من خلفها ، فإذا تماثل الأصل والفرع في العلة فإنهما يتماثلان في الحكم ، وإذا اختلفا في العلة فإنهما يختلفان في الحكم ، فليس في الشريعة تفريق بين متماثلين ولا جمع بين مختلفين ، وهذا أمر يجب اعتقاده واعتماده والتسليم به وعدم الخوض فيه ، وإن جميع ما يذكره بعض الفقهاء من أن هذا الحكم على خلاف القياس أنه كلام ليس بصحيح ، بل الشريعة لا تأتي بما يخالف القياس الصحيح ، بل جميع أحكامها التي ثبتت بالدليل الصحيح جارية على وفق القياس ، وإنما التضارب والتعارض في ذهن المجتهد وإلا فالشريعة بريئة من هذا التناقض ، وهذا الكلام يكون في الأحكام المعللة وليس في الأحكام التعبدية التي لا تعلم علتها . إذا علمت هذا فاعلم أن هناك بعض الفقهاء ذكر فروعاً فقهية ثبتت بالأدلة الصحيحة وادعى أنها على خلاف القياس ، وقد تولى الأئمة الإجابة عنها بالأجوبة الشافية الكافية ، وأكثر من تكلم في ذلك الإمامان الجليلان شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم رحمة الله عليهما ، وأنا إن شاء الله تعالى أذكر لك طرفاً من كلامهما وأجوبتهما مع شيء من الزيادة والتدليل فأقول وبالله التوفيق :