تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ومنها : اختلف العلماء في إبليس هل من الجن أم من الملائكة ، فقد طال الخلاف بينهم ولا طائل من ورائه أبداً ، وإنما ذكرته هنا لأنه من جملة فروع هذه القاعدة ، والصواب الذي تبين بالنظر في أدلة الفريقين أن إبليس من الجن بالأصالة ، أي أن أصله من الجن ، ولكنه كان في ملكوت السماء مع الملائكة ، فَعُدَّ منهم باعتبار صورته ومثاله لا باعتبار أصله ، فهو من الجن باعتبار أصله ومن الملائكة باعتبار صورته ومثاله فلما أمرت الملائكة بالسجود سجدوا جميعاً إلا إبليس غلب عليه أصله فأبى السجود أما الملائكة أصلاً وصورةً فسجدوا جميعاً ولم يتخلف منهم أحد ، أما هو فإن أصله غلب عليه ففسق عن أمر ربه والذي يدل على هذا قوله تعالى ﴿ إِلاَّ إِبْلِيسَ كَانَ مِنْ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ ﴾ فقوله (كان من الجن) وصف ، وقوله (ففسق) حكم مقرون بالفاء عقيب وصف ، فهو مشعر بالعلية أي لعلة كينونته من الجن ففسق عن أمر ربه لأن هذا الوصف فرق بينه وبين الملائكة لأنهم امتثلوا الأمر وعصا هو ، وما ذلك إلا لأنه من الجن، هذا هو محصل الأقوال في المسألة وأضرب لك مثلاً : بعبدٍ تربى في ديار الأحرار حتى اكتسب أخلاقهم وصار معهم في علو همتهم فأمر الأحرار أن يفعلوا شيئاً ففعلوه جميعاً إلا هذا العبد غلب عليه طبعه السيئ فأبى وتكبر عن الأمر لخبث أصله وكما قيل " الطبع يغلب التطبع " ، وهذا القول به تعمل الأدلة كلها وهو اختيار العلامة شيخ الإسلام والمسلمين أبو العباس بن تيمية رحمه الله تعالى .

تحرير القواعد ومجمع الفرائد · الصفحة ٤٣١

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

تحرير القواعد ومجمع الفرائدص ٤٣١