الثالث : الشهوة ، وقد دل عليه ما ذكرت في حديث طلق ولأنه إذا أمكن الجمع فلا يقال بالنسخ ولا الترجيح وهذا القول هو الصحيح عندي وقد يخالفنا البعض في اشتراط الشهوة لكن لابد منها لما ذكرته لك من وجوب الجمع ، والله يتولانا وإياك . فإن قلت : ألا يمكن الجمع بما ذهب إليه شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى من أن الأمر بالوضوء من مس الذكر للاستحباب لوجود الصارف في حديث طلق بن علي فإن هذا جمع لا تكلف فيه أيضاً .
قلت : نعم هو جمع لا تكلف فيه وقد قال به جمع من أهل العلم منهم أبونا وشيخ الإسلام والمسلمين أبو العباس رحمه الله تعالى لكن الجمع الأول أوفق للأصول وأقرب في المأخذ لأن فيه إبقاءً للأدلة على ظاهرها وعدم التعرض لها بتأويل زائد على الظاهر ، فأما في حديث بسرة بنت صفوان وأبي هريرة فالأمر واضح فقد أخذنا بالظاهر جملة وتفصيلاً حتى في قوله ( فقد وجب عليه الوضوء ) وجعلنا لفظ (وجب) معناه اللزوم والتحتم ، وأما حديث طلق فقد يظن أنا تأولناه وهذا ليس بصحيح بعد تدقيق النظر فإن قصاراه أنه لا يوجب الوضوء من مس الذكر ونحن قلنا بذلك لكن لم نجعله في أي مسٍ وإنما خصصنا بمسٍ خاص وهو المس الذي لا شهوة فيه ، ودليل التخصيص هو ما ذكرته لك من وجود ألفاظٍ فيه تدل على أنه بلا شهوة ، ولوجوب الجمع بينه وبين الأحاديث الأخرى ، فتبين بهذا أننا عملنا بالظاهر في كل حديثٍ منها والأصل هو البقاء على الظاهر وعدم الصرف حتى يرد الناقل ولأن مس الذكر بلا حائل وبشهوة موجب في غلبة الظن خروج الشيء منه ، وغلبة الظن مُنزَّلة مَنْزلة اليقين . فهذا هو التحقيق في هذه المسألة والله يغفر الخطأ والزلة والتقصير وهو أعلى وأعلم .